درس مکاسب - بیع

جلسه ۱۹: معاطات ۱۳

 

ليست (١) تجارة ، ولا عن تراضٍ ، فلا يجوز أكل المال.

والتوهّم المتقدّم في السابق [غير (٢)] جارٍ هنا ؛ لأنّ حصر مجوّز أكل المال في التجارة إنّما يراد به أكله على أن يكون ملكاً للآكل لا لغيره.

ويمكن التمسّك أيضاً بالجملة المستثنى منها ؛ حيث إنّ أكل المال ونقله عن مالكه بغير رضا المالك ، أكل وتصرّف بالباطل عرفاً.

نعم ، بعد إذن المالك الحقيقي وهو الشارع وحكمه بالتسلّط (٣) على فسخ المعاملة من دون رضا المالك يخرج عن (٤) البطلان ؛ ولذا كان أكل المارّة من الثمرة الممرور بها أكلاً بالباطل لولا إذن المالك الحقيقي ، وكذا الأخذ بالشفعة ، والفسخ بالخيار ، وغير ذلك من الأسباب (٥) القهريّة.

الاستدلال بما يدل على لزوم خصوص البيع

هذا كلّه ، مضافاً إلى ما دلّ على لزوم خصوص البيع ، مثل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (٦).

__________________

(١) في «ص» ومصحّحة «ن» : ليس.

(٢) لم ترد «غير» في النسخ ، ووردت في هامش نسخ «ن» ، «ع» و «ش» استظهاراً ، وقد أيّد الشهيدي قدس‌سره ضرورة هذه الزيادة ، انظر هداية الطالب : ١٧٠.

(٣) كذا في «ف» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : التسلّط.

(٤) في «ف» : من.

(٥) كذا في «ف» و «ش» ، وفي غيرهما : النواقل.

(٦) عوالي اللآلي ٣ : ٢٠٩ ، الحديث ٥١ ، وانظر الوسائل ١٢ : ٣٤٥ ، الباب الأوّل من أبواب الخيار ، الحديث ١ و ٢.

وقد يستدلّ أيضاً بعموم قوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) ؛ بناءً على أنّ العقد هو مطلق العهد ، كما في صحيحة عبد الله بن سنان (٢) ، أو العهد المشدّد ، كما عن بعض أهل اللغة (٣) ، وكيف كان ، فلا يختصّ باللفظ فيشمل المعاطاة.

وكذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «المؤمنون عند شروطهم» (٤) ؛ فإنّ الشرط لغةً مطلق الالتزام (٥) ، فيشمل ما كان بغير اللفظ.

قيام الإجماع على عدم لزوم المعاطاة

والحاصل : أنّ الحكم باللزوم في مطلق الملك وفي خصوص البيع ممّا لا ينكر ، إلاّ أنّ الظاهر فيما نحن فيه قيام الإجماع على عدم لزوم المعاطاة ، بل ادّعاه صريحاً بعض الأساطين في شرح القواعد (٦) ، ويعضده الشهرة المحقّقة ، بل لم يوجد به قائل إلى زمان بعض متأخّري المتأخّرين (٧) ، فإنّ العبارة المحكيّة عن المفيد رحمه‌الله (٨) في المقنعة لا تدلّ‌

__________________

(١) المائدة : ١.

(٢) تفسير القمّي ١ : ١٦٠ ، وتفسير العياشي ١ : ٢٨٩ ، الحديث ٥. وعنه الوسائل ١٦ : ٢٠٦ ، الباب ٢٥ من كتاب النذر والعهد ، الحديث ٣.

(٣) انظر لسان العرب ٩ : ٣٠٩ ، والقاموس ١ : ٣١٥ ، مادّة : «عقد» ، ومجمع البحرين ٣ : ١٠٣.

(٤) الوسائل ١٥ : ٣٠ ، الباب ٢٠ من أبواب المهور ، ذيل الحديث ٤.

(٥) قال الفيروزآبادي في القاموس (٢ : ٣٦٨) : الشرط إلزام الشي‌ء والتزامه في البيع ونحوه.

(٦) شرح القواعد (مخطوط) : الورقة : ٤٩.

(٧) كالمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة ٨ : ١٤٤ ، والمحدّث الكاشاني في مفاتيح الشرائع ٣ : ٤٨.

(٨) عبارة «المحكيّة عن المفيد» لم ترد في «ف» ، وشطب عليها في «ن».

على هذا القول كما عن المختلف الاعتراف به (١) فإنّه قال (٢) : ينعقد البيع على تراضٍ بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعاً ، وتراضيا بالبيع ، وتقابضا ، وافترقا بالأبدان (٣) ، انتهى.

ويقوى إرادة بيان شروط صحّة العقد الواقع بين اثنين وتأثيره في اللزوم ؛ وكأنّه لذلك (٤) حكى كاشف الرموز عن المفيد والشيخ رحمهما الله : أنّه لا بدّ في البيع عندهما من لفظٍ مخصوص (٥).

وقد تقدّم دعوى الإجماع من الغنية على عدم كونها بيعاً (٦) ، وهو نصّ في عدم اللزوم ، ولا يقدح كونه ظاهراً في عدم الملكيّة الذي لا نقول به.

التشكيك في انعقاد الإجماع

وعن جامع المقاصد : يعتبر اللفظ في العقود اللازمة بالإجماع (٧).

نعم ، قول العلاّمة رحمه‌الله في التذكرة : «إنّ الأشهر عندنا أنّه لا بدّ‌

__________________

(١) المختلف ٥ : ٥١ ، وفيه بعد نقل عبارة المقنعة ـ : وليس في هذا تصريح بصحّته إلاّ أنّه موهم.

(٢) كذا في «ف» ، «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : فإنّ المحكيّ عنه أنّه قال.

(٣) المقنعة : ٥٩١.

(٤) في «ف» : لذا.

(٥) كشف الرموز ١ : ٤٤٥ ٤٤٦.

(٦) تقدّم في الصفحة ٢٩.

(٧) جامع المقاصد ٥ : ٣٠٩ ، وفيه : «لأنّ النطق معتبر في العقود اللازمة بالإجماع» ، وحكاه عنه المحقّق التستري في مقابس الأنوار : ٢٧٦.

من الصيغة» (١) يدلّ على وجود الخلاف المعتدّ به في المسألة ، ولو كان المخالف شاذّا لعبّر بالمشهور ، وكذلك نسبته في المختلف إلى الأكثر (٢) ، وفي التحرير : أنّ الأقوى أنّ المعاطاة غير لازمة (٣).

عدم كشف هذا الإجماع عن رأي المعصوم على فرض حصوله

ثمّ لو فرضنا الاتّفاق من العلماء على عدم لزومها مع ذهاب كثيرهم أو أكثرهم إلى أنّها ليست مملّكة ، وإنّما تفيد الإباحة لم يكن هذا الاتّفاق كاشفاً ؛ إذ القول باللزوم فرع الملكيّة ، ولم يقل بها إلاّ بعض من تأخّر عن المحقّق الثاني (٤) تبعاً له ، وهذا ممّا يوهن حصول القطع بل الظنّ من الاتّفاق المذكور ؛ لأنّ قول الأكثر بعدم اللزوم سالبة بانتفاء (٥) الموضوع.

القول بالملك اللازم قول ثالث

نعم ، يمكن أن يقال بعد ثبوت الاتّفاق المذكور ـ : إنّ أصحابنا بين قائلٍ بالملك الجائز ، وبين قائلٍ بعدم الملك رأساً ، فالقول بالملك اللازم قولٌ ثالث ، فتأمّل.

وكيف كان ، فتحصيل الإجماع على وجه استكشاف قول الإمام عن قول غيره من العلماء كما هو طريق (٦) المتأخّرين مشكل ؛

__________________

(١) التذكرة ١ : ٤٦٢.

(٢) المختلف ٥ : ٥١.

(٣) التحرير ١ : ١٦٤.

(٤) مثل المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة ٨ : ١٣٩ ، وغيره ، راجع الصفحة ٤٠ ، الهامش ٣.

(٥) في «ف» : منتفية.

(٦) في «ف» : طريقة.

لما ذكرنا (١) وإن كان هذا لا يقدح في الإجماع على طريق القدماء ، كما بُيِّن في الأُصول (٢).

وبالجملة ، فما ذكره في المسالك من قوله بعد ذكر قول من اعتبر (٣) مطلق اللفظ في اللزوم ـ : «ما أحسنه وأمتن (٤) دليله إن لم يكن إجماع (٥) على خلافه» (٦) في غاية الحسن والمتانة.

ما يدل على عدم لزوم المعاطاة

والإجماع وإن لم يكن محقّقاً على وجه يوجب القطع ، إلاّ أنّ المظنون قويّاً تحقّقه على عدم اللزوم ، مع عدم لفظٍ دالٍّ على إنشاء التمليك ، سواء لم يوجد لفظ أصلاً أم وجد ولكن لم ينشأ التمليك به (٧) ، بل كان من جملة القرائن على قصد التمليك بالتقابض.

وقد يظهر ذلك من غير واحد من الأخبار (٨) ، بل يظهر (٩) منها أنّ إيجاب البيع باللفظ دون مجرّد التعاطي كان متعارفاً بين أهل السوق والتجّار.

__________________

(١) في الصفحة السابقة.

(٢) راجع فرائد الأُصول : ٧٩ ٨٣.

(٣) في «ش» : من لم يعتبر.

(٤) كذا في «ف» ، وفي غيره : وما أمتن.

(٥) في «ش» والمصدر : إن لم ينعقد الإجماع.

(٦) المسالك ٣ : ١٥٢.

(٧) في «ف» : به التمليك.

(٨) انظر الوسائل ١٢ : ١١٤ ، الباب ٣١ من أبواب ما يكتسب به ، والصفحة ٣٧٥ و ٣٨٥ ، الباب ٨ و ١٤ من أبواب أحكام العقود.

(٩) في «ف» : بل قد يظهر.