درس مکاسب - بیع

جلسه ۴۹: الفاظ عقد ۸

 

مقام الإنشاء : «أنا راضٍ بما تعطيني وقابلٌ لما تمنحني» فهو متناول ، قدّم إنشاءه أو أخّر (١) ، فعلى هذا يصحّ تقديم القبول ولو بلفظ «قبلت» و «رضيت» إن لم يقم إجماع على خلافه (٢) ، انتهى.

ووجه الفساد : ما عرفت سابقاً (٣) من أنّ الرضا بما يصدر من الموجب في المستقبل من نقل ماله بإزاء مال صاحبه ، ليس فيه إنشاء نقل من القابل في الحال ، بل هو رضا منه بالانتقال في الاستقبال ، وليس المراد أنّ أصل الرضا بشي‌ءٍ تابعٌ لتحقّقه في الخارج أو لأصل الرضا به (٤) حتى يحتاج إلى توضيحه بما ذكره من المثال ، بل المراد الرضا الذي يعدّ قبولاً و (٥) ركناً في العقد.

عدم جواز تقديم القبول لو كان بلفظ الأمر

وممّا ذكرنا يظهر الوجه في المنع عن تقديم (٦) القبول بلفظ الأمر ، كما لو قال : «بعني هذا بدرهم» فقال : «بعتك» ؛ لأنّ غاية الأمر دلالة طلب المعاوضة على الرضا بها ، لكن لم يتحقّق بمجرّد الرضا بالمعاوضة المستقبلة نقل في الحال للدرهم إلى البائع ، كما لا يخفى.

__________________

(١) في «ف» زيادة : قال.

(٢) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٦٥ ، لكن إلى كلمة «أو أخّر» ، ثمّ قال : وهذا قد ذكره الأُستاذ دام ظلّه.

(٣) في الصفحة السابقة.

(٤) في «ش» : «أوّلاً قبل الرضا به» ، ويظهر من شرحي المامقاني والشهيدي أنّ الموجود في نسختيهما هو ما أثبتناه ، انظر غاية الآمال : ٢٤٥ ، وهداية الطالب : ١٩٣.

(٥) لم ترد «قبولاً و» في «ف» و «ش» ، وشطب عليها في «ن».

(٦) كذا في «ش» ، وفي غيرها : تقدم.

وأمّا ما يظهر من المبسوط من الاتّفاق هنا على الصحّة به (١) ، فموهون بما ستعرف من مصير الأكثر على خلافه.

وأمّا فحوى جوازه في النكاح ، ففيها بعد الإغماض عن حكم الأصل ؛ بناءً على منع دلالة رواية سهل (٢) على كون لفظ الأمر هو القبول ؛ لاحتمال تحقّق القبول بعد إيجاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويؤيّده أنّه لولاه يلزم الفصل الطويل بين الإيجاب والقبول منع الفحوى ، وقصور دلالة رواية أبان (٣) ؛ من حيث اشتمالها على كفاية قول المرأة : «نعم» في الإيجاب.

اختلاف الفقهاء في صحّة تقديم القبول بلفظ الأمر

ثمّ اعلم : أنّ في صحّة تقديم القبول بلفظ الأمر اختلافاً كثيراً بين كلمات الأصحاب ، فقال في المبسوط : إن قال : «بعنيها بألف» فقال : «بعتك» ، صحّ ، والأقوى عندي أنّه لا يصحّ حتى يقول المشتري بعد ذلك : «اشتريت» (٤) ، واختار ذلك في الخلاف (٥).

كلمات المانعين

وصرّح به في الغنية ، فقال : واعتبرنا حصول الإيجاب من البائع والقبول من المشتري ، حذراً عن القول بانعقاده بالاستدعاء من المشتري ، وهو أن يقول : «بعنيه بألف» ، فيقول : «بعتك» فإنّه لا ينعقد حتى يقول المشتري بعد ذلك : «اشتريت» أو «قبلت» (٦) ، وصرّح به‌

__________________

(١) المبسوط ٤ : ١٩٤ ، وقد تقدّم في الصفحة ١٤١.

(٢) تقدّمت الإشارة إليها في الصفحة ١٤٢.

(٣) تقدّمت في الصفحة ١٤٢.

(٤) المبسوط ٢ : ٨٧.

(٥) الخلاف ٣ : ٣٩ ، كتاب البيوع ، المسألة ٥٦.

(٦) الغنية : ٢١٤.

أيضاً في السرائر (١) والوسيلة (٢).

وعن جامع المقاصد : أنّ ظاهرهم أنّ هذا الحكم اتّفاقي (٣) ، وحكي الإجماع أيضاً (٤) عن ظاهر الغنية أو صريحها (٥).

وعن المسالك : المشهور (٦) ، بل قيل : إنّ هذا الحكم ظاهر كلِّ من اشترط الإيجاب والقبول (٧).

كلمات المجوّزين

ومع ذلك كلّه ، فقد صرّح الشيخ في المبسوط في باب النكاح ـ : بجواز التقديم بلفظ الأمر بالبيع ، ونسبته إلينا مشعر (٨) بقرينة السياق إلى عدم الخلاف فيه بيننا ، فقال :

إذا تعاقدا ، فإن تقدّم الإيجاب على القبول فقال : «زوّجتك»

__________________

(١) السرائر ٢ : ٢٤٩ ٢٥٠.

(٢) لم نقف في الوسيلة على هذا التفصيل ، ولكن عدّ فيها من شرائط الصحّة : تقديم الإيجاب على القبول ، انظر الوسيلة : ٢٣٧ ، نعم صرّح بذلك العلاّمة في نهاية الإحكام ٢ : ٤٤٩ ، ولعلّ التشابه بين رمز الوسيلة «له» ورمز النهاية «يه» صار منشأً لاشتباه النسّاخ ، ويؤيّد هذا الاحتمال تأخير ذكرها عن السرائر.

(٣) جامع المقاصد ٤ : ٥٩.

(٤) وردت «أيضاً» في «ع» ، «ص» و «ش» بعد عبارة «ظاهر الغنية».

(٥) الغنية : ٢١٤ ، والترديد من السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٦١.

(٦) المسالك ٣ : ١٥٣.

(٧) قاله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٦١ ، وفيه : .. الإيجاب والقبول والماضوية فيهما.

(٨) كذا في «ش» ، وفي غيرها : «مشعراً» ، وفي مصحّحة «ص» : ونسبه إلينا مشعراً.

فقال : «قبلت التزويج» صحّ ، وكذا إذا تقدّم الإيجاب على القبول في البيع صحّ بلا خلاف ، وأمّا إن تأخّر الإيجاب وسَبَق القبول ، فإن كان في النكاح فقال الزوج : «زوّجنيها» فقال : «زوّجتكها» صحّ وإن لم يُعِد الزوج القبول ، بلا خلاف ؛ لخبر الساعدي : «قال (١) : زوّجنيها يا رسول الله ، فقال : زوّجتكها بما معك من القرآن» (٢) ، فتقدّم (٣) القبول وتأخّر الإيجاب ، وإن كان هذا في البيع فقال : «بعنيها» فقال : «بعتكها» صحّ عندنا وعند قومٍ من المخالفين ؛ وقال قومٌ منهم (٤) : لا يصحّ حتى يسبق الإيجاب (٥) ، انتهى.

وحكي جواز التقديم بهذا اللفظ عن القاضي في الكامل (٦) ، بل يمكن نسبة هذا الحكم إلى كلّ من جوّز تقديم القبول على الإيجاب بقولٍ مطلق ، وتمسّك له في النكاح برواية سهل الساعدي المعبَّر فيها عن القبول بطلب التزويج ، إلاّ أنّ المحقّق رحمه‌الله مع تصريحه في البيع بعدم كفاية الاستيجاب والإيجاب صرّح بجواز تقديم القبول على الإيجاب (٧).

__________________

(١) في «ش» : قال الرجل.

(٢) انظر عوالي اللآلي ٢ : ٢٦٣ ، الحديث ٨ ، وسنن البيهقي ٧ : ٢٤٢ ، باب النكاح على تعليم القرآن.

(٣) كذا في «ش» والمصدر ، وفي سائر النسخ : فقدّم.

(٤) انظر المغني ؛ لابن قدامة ٣ : ٥٦١ ، والمجموع ٩ : ١٩٨.

(٥) المبسوط ٤ : ١٩٤.

(٦) حكاه عنه العلاّمة في المختلف ٥ : ٥٣.

(٧) الشرائع ٢ : ١٣.

وذكر العلاّمة قدس‌سره الاستيجاب والإيجاب ، وجعله خارجاً عن قيد اعتبار الإيجاب والقبول كالمعاطاة وجزم بعدم كفايته ، مع أنّه تردّد في اعتبار تقديم القبول (١).

وكيف كان ، فقد عرفت (٢) أنّ الأقوى المنع في البيع ؛ لما عرفت ، بل لو قلنا بكفاية التقديم بلفظ «قبلت» يمكن المنع هنا ؛ بناءً على اعتبار الماضوية فيما دلّ على القبول.

ثمّ إنّ هذا كلّه بناءً على المذهب المشهور بين الأصحاب : من عدم كفاية مطلق اللفظ في اللزوم وعدم القول بكفاية مطلق الصيغة في الملك.

وأمّا على ما قوّيناه (٣) سابقاً في مسألة المعاطاة : من أنّ البيع العرفي موجب للملك وأنّ الأصل في الملك اللزوم (٤) ، فاللازم الحكم باللزوم في كلّ مورد لم يقم إجماع على عدم اللزوم ، وهو ما إذا خلت المعاملة عن الإنشاء باللفظ رأساً ، أو كان اللفظ المنشأ به المعاملة ممّا قام الإجماع على عدم إفادتها اللزوم (٥) ، وأمّا في غير ذلك فالأصل اللزوم.

__________________

(١) القواعد ١ : ١٢٣.

(٢) في الصفحة ١٤٥.

(٣) في نسخة بدل «ن» ، «خ» ، «م» ، «ع» و «ش» : اخترناه.

(٤) راجع الصفحة ٤٠ و ٩٦.

(٥) في غير «ف» و «ش» زيادة : وهو ما إذا خلت المعاملة عن الإنشاء ، وفي «ن» ، «خ» ، «م» و «ع» كتب عليها : «نسخة».