درس مکاسب - بیع

جلسه ۵۰: الفاظ عقد ۹

 

وذكر العلاّمة قدس‌سره الاستيجاب والإيجاب ، وجعله خارجاً عن قيد اعتبار الإيجاب والقبول كالمعاطاة وجزم بعدم كفايته ، مع أنّه تردّد في اعتبار تقديم القبول (١).

وكيف كان ، فقد عرفت (٢) أنّ الأقوى المنع في البيع ؛ لما عرفت ، بل لو قلنا بكفاية التقديم بلفظ «قبلت» يمكن المنع هنا ؛ بناءً على اعتبار الماضوية فيما دلّ على القبول.

ثمّ إنّ هذا كلّه بناءً على المذهب المشهور بين الأصحاب : من عدم كفاية مطلق اللفظ في اللزوم وعدم القول بكفاية مطلق الصيغة في الملك.

وأمّا على ما قوّيناه (٣) سابقاً في مسألة المعاطاة : من أنّ البيع العرفي موجب للملك وأنّ الأصل في الملك اللزوم (٤) ، فاللازم الحكم باللزوم في كلّ مورد لم يقم إجماع على عدم اللزوم ، وهو ما إذا خلت المعاملة عن الإنشاء باللفظ رأساً ، أو كان اللفظ المنشأ به المعاملة ممّا قام الإجماع على عدم إفادتها اللزوم (٥) ، وأمّا في غير ذلك فالأصل اللزوم.

__________________

(١) القواعد ١ : ١٢٣.

(٢) في الصفحة ١٤٥.

(٣) في نسخة بدل «ن» ، «خ» ، «م» ، «ع» و «ش» : اخترناه.

(٤) راجع الصفحة ٤٠ و ٩٦.

(٥) في غير «ف» و «ش» زيادة : وهو ما إذا خلت المعاملة عن الإنشاء ، وفي «ن» ، «خ» ، «م» و «ع» كتب عليها : «نسخة».

وقد عرفت أنّ القبول على وجه طلب البيع قد صرّح في (١) المبسوط بصحّته ، بل يظهر منه عدم الخلاف فيه بيننا ، وحكي عن الكامل أيضاً (٢) ، فتأمّل.

جواز تقديم القبول لو كان بلفظ «اشتريت» ونحوه ، والاستدلال عليه

وإن كان التقديم بلفظ «اشتريت» أو (٣) «ابتعت» أو «تملّكت» أو «ملّكت هذا بكذا» فالأقوى جوازه ؛ لأنّه أنشأ ملكيته للمبيع بإزاء ماله عوضاً ، ففي الحقيقة أنشأ المعاوضة كالبائع (٤) إلاّ أنّ البائع ينشئ ملكيّة ماله لصاحبه بإزاء مال صاحبه ، والمشتري ينشئ ملكيّة مال صاحبه لنفسه بإزاء ماله ، ففي الحقيقة كلٌّ منهما يُخرج ماله إلى صاحبه ويدخل مال صاحبه في ملكه ، إلاّ أنّ الإدخال في الإيجاب مفهوم من ذكر العوض وفي القبول مفهوم من نفس الفعل ، والإخراج بالعكس.

وحينئذٍ فليس في حقيقة الاشتراء من حيث هو معنى القبول ، لكنّه لمّا كان الغالب وقوعه عقيب الإيجاب ، وإنشاء انتقال مال البائع إلى نفسه إذا وقع عقيب نقله (٥) إليه يوجب تحقّق المطاوعة ومفهوم القبول ، أُطلق عليه القبول ، وهذا المعنى مفقود في الإيجاب المتأخّر ؛ لأنّ المشتري إنّما ينقل ماله إلى البائع بالالتزام الحاصل من جعل ماله عوضاً ، والبائع إنّما ينشئ انتقال المثمن (٦) إليه كذلك ، لا بمدلول الصيغة.

__________________

(١) لم ترد «في» في غير «ش».

(٢) كما تقدّم في الصفحة ١٤٨.

(٣) في «ش» بدل «أو» : و.

(٤) في «ف» : كالتبايع.

(٥) في «ف» ، «ن» و «خ» زيادة : له.

(٦) كذا في «ف» ، وفي سائر النسخ : الثمن.

وقد صرّح في النهاية والمسالك على ما حكي (١) ـ : بأنّ «اشتريت» ليس قبولاً حقيقةً ، وإنّما هو بدل ، وأنّ الأصل في القبول «قبلت» ؛ لأنّ القبول في الحقيقة ما لا يمكن الابتداء به ، ولفظ «اشتريت» يجوز الابتداء به.

ومرادهما (٢) : أنّه بنفسه لا يكون قبولاً ، فلا ينافي ما ذكرنا من تحقّق مفهوم القبول فيه إذا وقع عقيب تمليك البائع ، كما أنّ «رضيت بالبيع» ليس فيه إنشاء لنقل ماله إلى البائع إلاّ إذا وقع متأخّراً ؛ ولذا منعنا عن تقديمه.

فكلٌّ من «رضيت» و «اشتريت» بالنسبة إلى إفادة نقل المال ومطاوعة البيع عند التقدّم والتأخّر متعاكسان.

فإن قلت : إنّ الإجماع على اعتبار القبول في العقد يوجب تأخير قوله (٣) : «اشتريت» حتى يقع قبولاً ؛ لأنّ إنشاء مالكيته لمال الغير إذا وقع عقيب تمليك الغير له يتحقّق فيه معنى الانتقال وقبول الأثر ، فيكون «اشتريت» متأخّراً التزاماً بالأثر عقيب إنشاء التأثير من البائع ، بخلاف ما لو تقدّم ؛ فإنّ مجرّد إنشاء المالكيّة لمالٍ لا يوجب تحقّق مفهوم القبول ، كما لو نوى تملّك (٤) المباحات أو اللقطة ، فإنّه لا قبول فيه رأساً.

__________________

(١) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٣ ، وانظر نهاية الإحكام ٢ : ٤٤٨ ، والمسالك ٣ : ١٥٤.

(٢) في «ف» : مرادهم.

(٣) في «ف» : «قول» ، وفي «خ» : قبوله.

(٤) في «ف» : ملك.

قلت : المسلّم من الإجماع هو اعتبار القبول من المشتري بالمعنى الشامل للرضا بالإيجاب ، وأمّا وجوب تحقّق مفهوم القبول المتضمّن للمطاوعة وقبول الأثر ، فلا.

فقد (١) تبيّن من جميع ذلك : أنّ إنشاء القبول لا بدّ أن يكون جامعاً لتضمّن إنشاء النقل وللرضا بإنشاء البائع تقدّم أو تأخّر ولا يعتبر إنشاء انفعال نقل البائع.

فقد تحصّل ممّا ذكرناه : صحّة تقديم القبول إذا كان بلفظ «اشتريت» وفاقاً لمن عرفت (٢) ، بل هو ظاهر إطلاق الشيخ في الخلاف ؛ حيث إنّه لم يتعرّض إلاّ للمنع عن الانعقاد بالاستيجاب والإيجاب (٣) ، وقد عرفت (٤) عدم الملازمة بين المنع عنه والمنع عن تقديم مثل «اشتريت» ، وكذا السيّد في الغنية ، حيث أطلق اعتبار الإيجاب والقبول ، واحترز بذلك عن انعقاده بالمعاطاة وبالاستيجاب والإيجاب (٥) ، وكذا ظاهر إطلاق الحلبي في الكافي ، حيث لم يذكر تقديم الإيجاب من شروط الانعقاد (٦).

__________________

(١) في «ف» : وقد.

(٢) في الصفحة السابقة.

(٣) الخلاف ٣ : ٣٩ ، كتاب البيوع ، المسألة ٥٦.

(٤) انظر الصفحة ١٤٨ ١٤٩.

(٥) الغنية : ٢١٤.

(٦) انظر الكافي في الفقه : ٣٥٢ (فصل في عقد البيع).