درس مکاسب - بیع

جلسه ۶۱: احکام مقبوض به عقد فاسد ۲

 

قاعدة ما يضمن بصحيحه وعكسها

ثمّ إنّ هذه المسألة من جزئيات القاعدة المعروفة «كلّ عقدٍ يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» وهذه القاعدة أصلاً وعكساً وإن لم أجدها بهذه العبارة في كلام من تقدّم على العلاّمة ، إلاّ أنّها تظهر من كلمات الشيخ رحمه‌الله في المبسوط (١) ، فإنّه علّل الضمان في غير واحدٍ من العقود الفاسدة : بأنّه دخل على أن يكون المال مضموناً عليه.

وحاصله : أنّ قبض المال مُقْدِماً على ضمانه بعوضٍ واقعيّ أو جعلي موجب للضمان ، وهذا المعنى يشمل المقبوض (٢) بالعقود الفاسدة التي تضمن بصحيحها.

وذكر أيضاً في مسألة عدم الضمان في الرهن الفاسد : أنّ صحيحه لا يوجب الضمان فكيف يضمن بفاسده (٣)؟ وهذا يدلّ على العكس المذكور.

ولم أجد من تأمّل فيها عدا الشهيد في المسالك فيما لو فسد عقد السبق في أنّه (٤) يستحقّ السابق اجرة المثل أم لا؟ (٥).

الكلام في معنى القاعدة

وكيف كان ، فالمهمّ بيان معنى القاعدة أصلاً وعكساً ، ثمّ بيان المدرك فيها.

__________________

(١) راجع المبسوط ٣ : ٥٨ ، ٦٥ ، ٦٨ ، ٨٥ و ٨٩.

(٢) في «ش» : القبوض.

(٣) المبسوط ٢ : ٢٠٤.

(٤) كذا في «ف» وهامش «خ» و «م» ، وفي سائر النسخ : بدل «في أنّه» : فهل.

(٥) المسالك ٦ : ١١٠.

معنى «العقد»

فنقول ومن الله الاستعانة : إنّ المراد ب «العقد» أعمّ من الجائز واللازم ، بل ممّا كان فيه شائبة الإيقاع أو كان أقرب إليه ، فيشمل الجعالة والخلع.

معنى «الضمان»

والمراد بالضمان في الجملتين : هو كون دَرَك المضمون ، عليه ، بمعنى كون خسارته ودَرَكه في ماله الأصلي ، فإذا تلف وقع نقصان فيه ؛ لوجوب تداركه منه ، وأمّا مجرّد كون تلفه في ملكه بحيث يتلف مملوكاً له كما يتوهّم (١) فليس هذا معنى للضمان أصلاً ، فلا يقال : إنّ الإنسان ضامنٌ لأمواله.

ثمّ تداركه من ماله ، تارةً يكون بأداء عوضه الجعلي الذي تراضى هو والمالك على كونه عوضاً وأمضاه الشارع ، كما في المضمون بسبب العقد الصحيح.

وأُخرى بأداء عوضه الواقعي وهو المثل أو القيمة وإن لم يتراضيا عليه.

وثالثة بأداء أقلّ الأمرين من العوض الواقعي والجعلي ، كما ذكره بعضهم في بعض المقامات (٢) مثل تلف الموهوب بشرط التعويض قبل دفع العوض.

__________________

(١) قيل : إنّه الشيخ علي في حواشي الروضة في تفسير القاعدة. انظر غاية الآمال : ٢٧٧ ، وهداية الطالب : ٢١٠ ، ولعلّ المراد من الشيخ علي المذكور هو صاحب «الدرّ المنثور» حفيد صاحب المعالم ، انظر الذريعة ١٢ : ٦٧.

(٢) ذكره المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٩ : ١٧٨ ، والشهيد الثاني في المسالك ٦ : ٦٣.

فإذا ثبت هذا ، فالمراد بالضمان بقولٍ مطلق ، هو لزوم تداركه بعوضه الواقعي ؛ لأنّ هذا هو التدارك حقيقة ، ولذا (١) لو اشترط (٢) ضمان العارية لزم غرامة مثلها أو قيمتها. ولم يرد في أخبار ضمان المضمونات (٣) من المغصوبات وغيرها عدا لفظ «الضمان» بقولٍ مطلق.

وأمّا تداركه بغيره فلا بدّ من ثبوته من طريقٍ آخر ، مثل تواطئهما عليه بعقدٍ صحيح يُمضيه الشارع.

فاحتمال : أن يكون المراد بالضمان في قولهم : «يضمن بفاسده» هو وجوب أداء العوض المسمّى نظير الضمان في العقد الصحيح ـ ، ضعيف في الغاية (٤) ، لا لأنّ ضمانه بالمسمّى يخرجه من فرض الفساد ؛ إذ يكفي في تحقّق فرض الفساد بقاءُ كلٍّ من العوضين على ملك مالكه وإن كان عند تلف أحدهما يتعيّن الآخر للعوضيّة نظير المعاطاة على القول بالإباحة بل لأجل ما عرفت من معنى الضمان ، وأنّ التدارك بالمسمّى (٥) في الصحيح لإمضاء الشارع ما تواطئا على عوضيّته ، لا لأنّ‌

__________________

(١) في «ف» : ولهذا.

(٢) في «ع» و «ص» : «شرط» ، وكتب فوق الكلمة في «ص» : اشترط.

(٣) انظر الوسائل ١٣ : ٢٥٧ ٢٥٨ ، الباب ١٧ من أبواب أحكام الإجارة ، الأحاديث ٢ ٦ ، و ١٣ : ٢٧١ و ٢٧٦ ، الباب ٢٩ و ٣٠ ، و ١٩ : ١٧٩ ١٨٢ ، الباب ٨ ١١ من كتاب الديات وغيرها.

(٤) قال المحقّق المامقاني بعد نقل العبارة ـ : تعريض بما في شرح القواعد ، انظر غاية الآمال : ٢٧٩ ، وشرح القواعد للشيخ الكبير كاشف الغطاء (مخطوط) : الورقة ٥٢.

(٥) كذا في «ف» و «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : المسمّى.