درس مکاسب - بیع

جلسه ۶۲: احکام مقبوض به عقد فاسد ۳

 

فإذا ثبت هذا ، فالمراد بالضمان بقولٍ مطلق ، هو لزوم تداركه بعوضه الواقعي ؛ لأنّ هذا هو التدارك حقيقة ، ولذا (١) لو اشترط (٢) ضمان العارية لزم غرامة مثلها أو قيمتها. ولم يرد في أخبار ضمان المضمونات (٣) من المغصوبات وغيرها عدا لفظ «الضمان» بقولٍ مطلق.

وأمّا تداركه بغيره فلا بدّ من ثبوته من طريقٍ آخر ، مثل تواطئهما عليه بعقدٍ صحيح يُمضيه الشارع.

فاحتمال : أن يكون المراد بالضمان في قولهم : «يضمن بفاسده» هو وجوب أداء العوض المسمّى نظير الضمان في العقد الصحيح ـ ، ضعيف في الغاية (٤) ، لا لأنّ ضمانه بالمسمّى يخرجه من فرض الفساد ؛ إذ يكفي في تحقّق فرض الفساد بقاءُ كلٍّ من العوضين على ملك مالكه وإن كان عند تلف أحدهما يتعيّن الآخر للعوضيّة نظير المعاطاة على القول بالإباحة بل لأجل ما عرفت من معنى الضمان ، وأنّ التدارك بالمسمّى (٥) في الصحيح لإمضاء الشارع ما تواطئا على عوضيّته ، لا لأنّ‌

__________________

(١) في «ف» : ولهذا.

(٢) في «ع» و «ص» : «شرط» ، وكتب فوق الكلمة في «ص» : اشترط.

(٣) انظر الوسائل ١٣ : ٢٥٧ ٢٥٨ ، الباب ١٧ من أبواب أحكام الإجارة ، الأحاديث ٢ ٦ ، و ١٣ : ٢٧١ و ٢٧٦ ، الباب ٢٩ و ٣٠ ، و ١٩ : ١٧٩ ١٨٢ ، الباب ٨ ١١ من كتاب الديات وغيرها.

(٤) قال المحقّق المامقاني بعد نقل العبارة ـ : تعريض بما في شرح القواعد ، انظر غاية الآمال : ٢٧٩ ، وشرح القواعد للشيخ الكبير كاشف الغطاء (مخطوط) : الورقة ٥٢.

(٥) كذا في «ف» و «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : المسمّى.

معنى الضمان في الصحيح مغاير لمعناه في الفاسد حتى يوجب ذلك تفكيكاً في العبارة ، فافهم.

عموم «العقود» ليس باعتبار الأنواع

ثمّ العموم في العقود ليس باعتبار خصوص الأنواع ليكون أفراده مثل البيع والصلح والإجارة ونحوها ؛ لجواز كون نوع لا يقتضي بنوعه الضمان ، وإنّما المقتضي له بعض أصنافه ، فالفرد الفاسد من ذلك الصنف يضمن به دون الفرد الفاسد من غير ذلك الصنف ، مثلاً الصلح بنفسه لا يوجب الضمان ؛ لأنّه قد لا يفيد إلاّ فائدة الهبة الغير المعوّضة أو الإبراء ، فالموجب للضمان هو المشتمل على المعاوضة ، فالفرد الفاسد من هذا القسم موجب (١) للضمان أيضاً ، ولا يلتفت إلى أنّ نوع الصلح الصحيح من حيث هو لا يوجب ضماناً فلا يضمن بفاسده ، وكذا الكلام في الهبة المعوّضة ، وكذا عارية الذهب والفضّة.

نعم ، ذكروا في وجه عدم ضمان الصيد الذي استعاره المحرم : أنّ صحيح العارية لا يوجب الضمان فينبغي أن لا يضمن بفاسدها (٢) ، ولعلّ المراد عارية غير الذهب والفضّة ، وغير المشروط ضمانها.

ثمّ المتبادر من اقتضاء الصحيح للضمان اقتضاؤه له بنفسه ، فلو اقتضاه الشرط المتحقّق (٣) في ضمن العقد الصحيح ، ففي الضمان بالفاسد‌

__________________

(١) في «ف» : يوجب.

(٢) انظر المسالك ٥ : ١٣٩ ، والحدائق ٢١ : ٤٨٩ ، ومفتاح الكرامة ٦ : ٥٦ وغيرها ، وسوف يجي‌ء الكلام في المسألة عند التعرّض للإشكال في اطّراد القاعدة في الصفحة ١٩٥.

(٣) في «ف» : المحقّق.

من هذا الفرد المشروط فيه الضمان تمسّكاً بهذه القاعدة إشكال ، كما لو استأجر إجارة فاسدة واشترط فيها ضمان العين ، وقلنا بصحّة هذا الشرط ، فهل يضمن بهذا الفاسد لأنّ صحيحة يضمن به (١) ولو لأجل الشرط ، أم لا؟ وكذا الكلام في الفرد الفاسد من العارية المضمونة.

ويظهر من الرياض اختيار الضمان بفاسدها مطلقاً (٢) ، تبعاً لظاهر المسالك (٣). ويمكن جعل الهبة المعوّضة من هذا القبيل ؛ بناءً على أنّها هبة مشروطة لا معاوضة.

وربما يحتمل في العبارة أن يكون معناه : أنّ كلّ شخصٍ من العقود يضمن به لو كان صحيحاً ، يضمن به مع الفساد.

ويترتّب (٤) عليه عدم الضمان فيما (٥) لو استأجر بشرط أن لا اجرة كما اختاره الشهيدان (٦) ، أو باع بلا ثمن ، كما هو أحد وجهي العلاّمة في القواعد (٧).

ويضعّف : بأنّ الموضوع هو العقد الذي يوجد (٨) له بالفعل صحيح‌

__________________

(١) لم ترد «به» في «ف».

(٢) انظر الرياض ١ : ٦٢٥.

(٣) المسالك ٥ : ١٣٩ ١٤١.

(٤) كذا في «ف» ، وفي سائر النسخ : ورتب.

(٥) لم ترد «فيما» في «ف».

(٦) نقله المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٧ : ١٢٠ ، عن حواشي الشهيد ، ولكنّها لا توجد لدينا ، ونقله الشهيد الثاني أيضاً في المسالك ٥ : ١٨٤ ، وقال : وهو حسن.

(٧) القواعد ١ : ١٣٤.

(٨) كذا في «ف» ، وفي غيرها : وجد.

وفاسد ، لا ما يفرض تارةً صحيحاً وأُخرى فاسداً ، فالمتعيّن بمقتضى هذه القاعدة : الضمان في مسألة البيع ؛ لأنّ البيع الصحيح يضمن به.

نعم ، ما ذكره بعضهم من التعليل لهذه القاعدة : بأنّه أقدم على العين (١) مضمونة عليه ، لا يجري في هذا الفرع ، لكنّ الكلام في معنى القاعدة ، لا في مدركها.

معنى «الباء» في «بصحيحه» و «بفاسده»

ثمّ إنّ لفظة «الباء» في «بصحيحه» و «بفاسده» ، إمّا بمعنى «في» ، بأن يراد : كلّ ما تحقّق الضمان في صحيحه تحقّق في فاسده ، وإمّا لمطلق السببيّة الشامل للناقصة لا العلّة التامّة ؛ فإنّ العقد الصحيح قد لا يوجب الضمان إلاّ بعد القبض ، كما في السلم والصرف ، بل مطلق البيع ، حيث إنّ المبيع قبل القبض مضمون على البائع ، بمعنى أنّ دَرَكَه عليه ، ويتداركه بردّ الثمن ، فتأمّل ، وكذا الإجارة والنكاح والخلع ؛ فإنّ المال في ذلك كلّه مضمون على من انتقل عنه إلى أن يتسلّمه من انتقل إليه.

وأمّا العقد الفاسد ، فلا يكون علّة تامّة أبداً ، بل يفتقر في ثبوت الضمان به (٢) إلى القبض فقبله لا ضمان ، فجعل الفاسد سبباً : إمّا لأنّه المنشأ للقبض على وجه الضمان الذي هو سبب للضمان ، وإمّا لأنّه سبب الحكم بالضمان بشرط القبض ؛ ولذا علّل الضمان الشيخ (٣) وغيره (٤)

__________________

(١) كالشهيد الثاني في المسالك ٣ : ١٥٤.

(٢) لم ترد «به» في غير «ف».

(٣) تقدّم في الصفحة ١٨٢.

(٤) مثل الشهيد الثاني في المسالك ٣ : ١٥٤ ، و ٤ : ٥٦.