درس مکاسب - بیع

جلسه ۷۷: احکام مقبوض به عقد فاسد ۱۸

 

وقد صرّح بما ذكرنا المحقّق الثاني (١) ، وقد عرفت من التذكرة والإيضاح ما يدلّ عليه (٢).

ويحتمل اعتبار وقت تعذّر المثل ، وهو للحلّي في البيع الفاسد (٣) ، وللتحرير في باب القرض (٤) ، ومحكيّ (٥) عن المسالك (٦) ؛ لأنّه وقت الانتقال إلى القيمة.

ويضعّفه : أنّه إن أُريد بالانتقال انقلاب ما في الذمّة إلى القيمة في ذلك الوقت ، فلا دليل عليه ، وإن أُريد عدم وجوب إسقاط ما في الذمّة إلاّ بالقيمة ، فوجوب الإسقاط بها وإن حدث يوم التعذّر مع المطالبة ، إلاّ أنّه لو أخّر الإسقاط بقي المثل في الذمّة إلى تحقّق الإسقاط ، وإسقاطه في كلّ زمانٍ بأداء قيمته في ذلك الزمان ، وليس في الزمان الثاني مكلّفاً بما صدق عليه الإسقاط في الزمان الأوّل.

هذا ، ولكن لو استندنا في لزوم القيمة في المسألة إلى ما تقدّم سابقاً : من الآية (٧) ، ومن أنّ المتبادر من إطلاقات الضمان هو وجوب الرجوع إلى أقرب الأموال إلى التالف بعد تعذّر المثل ، توجّه القول‌

__________________

(١) جامع المقاصد ٦ : ٢٤٥ و ٢٥٥.

(٢) راجع الصفحة السابقة.

(٣) السرائر ٢ : ٢٨٥.

(٤) تحرير الأحكام ١ : ٢٠٠.

(٥) في «ف» و «ن» : حكي.

(٦) المسالك ٣ : ١٧٤.

(٧) المتقدّمة في الصفحة ٢٢٦.

بصيرورة التالف قيميّاً بمجرّد تعذّر المثل ؛ إذ لا فرق في تعذّر المثل بين تحقّقه ابتداء كما في القيميّات ، وبين طروّه بعد التمكّن ، كما في ما نحن فيه.

ودعوى : اختصاص الآية وإطلاقات الضمان بالحكم بالقيمة بتعذّر المثل ابتداء ، لا يخلو عن تحكّم.

ثمّ إنّ في المسألة احتمالات أُخر ، ذكر أكثرها في القواعد (١) ، وقوّى بعضها في الإيضاح (٢) ، وبعضها بعض الشافعية (٣).

الاحتمالات في المسألة مع مبانيها

وحاصل جميع الاحتمالات في المسألة مع مبانيها (٤) ، أنّه :

إمّا أن نقول باستقرار المثل في الذمّة إلى أوان الفراغ منه بدفع القيمة ، وهو الذي اخترناه تبعاً للأكثر من اعتبار القيمة عند الإقباض ، وذكره في القواعد خامس الاحتمالات.

وإمّا أن نقول بصيرورته قيميّاً عند الإعواز ، فإذا صار كذلك ، فإمّا أن نقول : إنّ المثل المستقرّ في الذمّة قيميّ ، فتكون القيميّة صفة للمثل بمعنى أنّه لو تلف وجب قيمته.

وإمّا أن نقول : إنّ المغصوب انقلب قيميّاً بعد أن كان مثليّا.

فإن قلنا بالأوّل ، فإن جعلنا الاعتبار في القيميّ بيوم التلف كما‌

__________________

(١) قواعد الأحكام ١ : ٢٠٣ ٢٠٤.

(٢) إيضاح الفوائد ٢ : ١٧٥.

(٣) قال النووي : والأصحّ أنّ المعتبر أقصى قيمةٍ من وقت الغصب إلى تعذّر المثل. مغني المحتاج ٢ : ٢٨٣ ، وانظر التذكرة ٢ : ٣٨٣.

(٤) كذا في «ف» و «ش» ، وفي غيرهما : بيانها.

هو أحد الأقوال كان المتعيّن قيمة المثل يوم الإعواز ، كما صرّح به في السرائر في البيع الفاسد (١) ، والتحرير في باب القرض (٢) ؛ لأنّه يوم تلف القيميّ.

وإن جعلنا الاعتبار فيه بزمان الضمان كما هو القول الآخر في القيميّ كان المتّجه اعتبار زمان تلف العين ؛ لأنّه أوّل أزمنة وجوب المثل في الذمّة المستلزم لضمانه بقيمته عند تلفه ، وهذا مبنيّ على القول بالاعتبار في القيميّ بوقت الغصب كما عن الأكثر (٣).

وإن جعلنا الاعتبار فيه بأعلى القيم من زمان الضمان إلى زمان التلف كما حكي عن جماعة من القدماء في الغصب (٤) كان المتّجه الاعتبار بأعلى القيم من يوم تلف العين إلى زمان الإعواز ، وذكر هذا الوجه في القواعد ثاني الاحتمالات (٥).

وإن قلنا : إنّ التالف انقلب قيميّاً ، احتمل الاعتبار بيوم الغصب كما في القيميّ المغصوب والاعتبار بالأعلى منه إلى (٦) يوم التلف ، وذكر هذا أوّل الاحتمالات في القواعد (٧).

__________________

(١) السرائر ٢ : ٢٨٥.

(٢) تحرير الأحكام ١ : ٢٠٠.

(٣) نسبه إلى الأكثر المحقّق في الشرائع ٣ : ٢٤٠ ، والعلاّمة في التحرير ٢ : ١٣٩.

(٤) منهم : الشيخ في المبسوط ٣ : ٧٢ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٧٦ ، وابن زهرة في الغنية : ٢٧٩ وغيرهم ، انظر مفتاح الكرامة ٦ : ٢٤٤.

(٥) القواعد ١ : ٢٠٣.

(٦) في «ف» بدل «إلى» : لا.

(٧) القواعد ١ : ٢٠٣ ٢٠٤.

وإن قلنا : إنّ المشترك بين العين والمثل صار قيميّاً ، جاء احتمال الاعتبار بالأعلى من يوم الضمان إلى يوم تعذّر المثل ؛ لاستمرار الضمان فيما قبله من الزمان ، إمّا للعين وإمّا للمثل ، فهو مناسب لضمان الأعلى من حين الغصب إلى التلف ، وهذا ذكره في القواعد ثالث الاحتمالات (١).

واحتمل الاعتبار بالأعلى من يوم الغصب إلى دفع المثل (٢) ، ووجّهه في محكيّ التذكرة والإيضاح : بأنّ المثل لا يسقط بالإعواز ، قالا : ألا ترى أنّه لو صبر المالك إلى وجدان المثل ، استحقّه؟ فالمصير إلى القيمة عند تغريمها (٣). والقيمة الواجبة على الغاصب أعلى القيم.

وحاصله : أنّ وجوب دفع قيمة المثل (٤) يعتبر (٥) من زمن وجوبه أو (٦) وجوب مبدله أعني العين فيجب أعلى القيم منها ، فافهم.

__________________

(١) القواعد ١ : ٢٠٣ ٢٠٤.

(٢) في مصحّحة «ن» : إلى دفع قيمة المثل. قال الشهيدي قدس‌سره : وجعله في القواعد رابع الاحتمالات ؛ فإنّه قال : «الرابع : أقصى القيم من وقت الغصب إلى وقت دفع القيمة» ، انتهى. ومنه يُعلم أنّ الصواب في عبارة المصنّف أن يقول : «إلى دفع القيمة» بدل «إلى دفع المثل» ، وعلى تقدير صحّة النسخة فلا بدّ من الالتزام بتقدير القيمة مضافة إلى المثل ، يعني : دفع قيمة المثل المفروض تعذّره. انظر هداية الطالب : ٢٣٤.

(٣) التذكرة ١ : ٣٨٣ ، إيضاح الفوائد ٢ : ١٧٥.

(٤) كذا في «ف» و «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي غيرها : «المثلي».

(٥) لم ترد «يعتبر» في «ف».

(٦) في «ش» بدل «أو» : إلى.