درس مکاسب - بیع

جلسه ۸۱: احکام مقبوض به عقد فاسد ۲۲

 

بحساب ذلك (١) ، فلولا ضمان التالف بالقيمة لم يكن وجه لسقوط الدين بمجرّد ضمان التالف.

ومنها : غير ذلك من الأخبار الكثيرة (٢).

وإن أرادوا أنّه مع تيسّر المثل يجب المثل لم يكن بعيداً ؛ نظراً إلى ظاهر آية الاعتداء (٣) ونفي الضرر (٤) ؛ لأنّ خصوصيات الحقائق قد تقصد ، اللهم إلاّ أن يحقّق إجماع على خلافه ولو من جهة أنّ ظاهر كلمات هؤلاء (٥) إطلاق القول بضمان المثل ، فيكون الفصل بين التيسّر وعدمه قولاً ثالثاً في المسألة.

ما هو المعيار في تعيين القيمة في المقبوض بالعقد الفاسد؟

ثمّ إنّهم اختلفوا في تعيين القيمة في المقبوض بالبيع الفاسد.

فالمحكيّ في غاية المراد (٦) عن الشيخين وأتباعهما : تعيّن قيمة يوم التلف ، وعن الدروس (٧) والروضة (٨) نسبته إلى الأكثر.

والوجه فيه على ما نبّه عليه جماعة ، منهم العلاّمة في التحرير (٩) ـ : أنّ الانتقال إلى البدل إنّما هو يوم التلف ؛ إذ الواجب قبله‌

__________________

(١) انظر الوسائل ١٣ : ١٢٩ ، الباب ٧ من أبواب أحكام الرهن.

(٢) المشار إليها في هامش الصفحة ٢٤١.

(٣) البقرة : ١٩٤.

(٤) انظر الوسائل ١٧ : ٣٤٠ ، الباب ١٢ من أبواب إحياء الموات.

(٥) يعني الإسكافي والشيخ والمحقّق قدس‌سرهم.

(٦) غاية المراد : ٨٥.

(٧) الدروس ٣ : ١١٣.

(٨) الروضة البهية ٧ : ٤١ ، وانظر الجواهر ٣٧ : ١٠٥.

(٩) التحرير ٢ : ١٣٩.

هو ردّ العين.

وربما يورد (١) عليه : أنّ يوم التلف يوم الانتقال إلى القيمة ، أمّا كون المنتقل إليها قيمة يوم التلف فلا.

ويدفع : بأنّ معنى ضمان العين عند قبضه : كونه في عهدته ، ومعنى ذلك وجوب تداركه ببدله عند التلف ، حتّى يكون عند التلف (٢) كأنه لم يتلف ، وتداركه (٣) على هذا النحو بالتزام مال معادل له [قائم] (٤) مقامه.

الأصل في ضمان التالف : ضمانه بقيمته يوم التلف

وممّا ذكرنا ظهر أنّ الأصل في ضمان التالف : ضمانه بقيمته يوم التلف ، فإن خرج المغصوب من ذلك (٥) مثلاً فبدليل من (٦) خارج.

نعم ، لو تمّ ما تقدّم عن الحلّي في هذا المقام : من دعوى الاتّفاق على كون البيع (٧) فاسداً بمنزلة المغصوب إلاّ في ارتفاع الإثم (٨) ، ألحقناه بالمغصوب إن ثبت فيه حكم مخالف لهذا الأصل ، بل يمكن أن يقال : إذا ثبت في المغصوب الاعتبار بقيمة يوم الغصب كما هو ظاهر صحيحة‌

__________________

(١) لم نعثر على المورد ، نعم أورده في المناهل : ٢٩٨ بلفظ : «ولا يقال».

(٢) عبارة «حتّى يكون عند التلف» لم ترد في «ف».

(٣) في «ن» ، «م» ، «ع» و «ص» ونسخة بدل «خ» زيادة : «ببدله» ، ولكن شطب عليها في «ن».

(٤) من «ش» فقط.

(٥) لم يرد «من ذلك» في «ف».

(٦) كلمة «من» لم ترد في غير «ف».

(٧) في «ص» ومصحّحة «ن» : المبيع.

(٨) تقدّم في الصفحة ٢٠٧ ٢٠٨.

الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد على أنّ العبرة بقيمة يوم الضمان

أبي ولاّد الآتية كشف ذلك عن عدم اقتضاء إطلاقات الضمان لاعتبار قيمة يوم التلف ؛ إذ يلزم حينئذٍ أن يكون المغصوب عند كون قيمته يوم التلف أضعاف ما كانت يوم الغصب غير واجب التدارك عند التلف ؛ لما ذكرنا من أنّ معنى التدارك التزام (١) بقيمته يوم وجوب التدارك.

نعم ، لو فرض دلالة الصحيحة على وجوب أعلى القيم ، أمكن جعل التزام الغاصب بالزائد على مقتضى التدارك مؤاخذة له بأشقّ الأحوال.

فالمهمّ حينئذٍ صرف الكلام إلى معنى الصحيحة بعد ذكرها ؛ ليلحق به البيع الفاسد ، إمّا لما ادّعاه الحلّي (٢) ، وإمّا لكشف الصحيحة عن معنى التدارك والغرامة في المضمونات ، وكون العبرة في جميعها بيوم الضمان ، كما هو أحد الأقوال فيما نحن فيه من البيع الفاسد.

وحيث إنّ الصحيحة مشتملة على أحكام كثيرة وفوائد خطيرة ، فلا بأس بذكرها جميعاً وإن كان الغرض متعلّقاً ببعضها.

صحيحة أبي ولّاد على ما رواه الشيخ

فروى (٣) الشيخ في الصحيح عن أبي ولاّد ، قال : اكتريت بغلاً إلى قصر بني هبيرة (٤) ذاهباً وجائياً بكذا وكذا ، وخرجت في طلب غريمٍ‌

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «الالتزام» ، كما في مصحّحة «ص».

(٢) راجع الصفحة السابقة.

(٣) لمّا كانت النسخ مختلفة اختلافاً كثيراً في نقل الرواية ، آثرنا نقلها من التهذيب.

(٤) الوسائل : «قصر ابن هبيرة» ، وهو الموافق لما في معجم البلدان ٤ : ٣٦٥.

لي ، فلمّا صرت إلى قرب قنطرة الكوفة خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل (١) ، فتوجّهت نحو النيل ، فلمّا أتيت النيل خُبّرت أنّه توجّه إلى بغداد ، فأتبعته فظفرت به وفرغت فيما بيني وبينه ، ورجعت إلى الكوفة ، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً ، فأخبرت صاحب البغل بعذري ، وأردت أن أتحلّل منه فيما صنعت وأُرضيه ، فبذلت له خمسة عشر درهماً فأبى أن يقبل ، فتراضينا بأبي حنيفة ، وأخبرته بالقصّة وأخبره الرجل ، فقال لي : ما صنعت بالبغل؟ فقلت : قد رجعته سليماً. قال : نعم ، بعد خمسة عشر يوماً! قال : فما تريد من الرجل؟ قال : أُريد كرى بغلي فقد حبسه عليّ خمسة عشر يوماً. فقال : إنّي ما أرى لك حقّا ؛ لأنّه اكتراه إلى قصر بني هبيرة فخالف فركبه إلى النيل وإلى بغداد ، فضمن قيمة البغل وسقط الكرى ، فلمّا ردّ البغل سليماً وقبضته لم يلزمه الكرى. قال : فخرجنا من عنده وجعل صاحب البغل يسترجع ، فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة ، وأعطيته شيئاً وتحلّلت منه ، وحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبد الله عليه‌السلام بما أفتى به أبو حنيفة ، فقال : في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءَها وتمنع الأرض بركتها. قال : فقلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : فما ترى أنت؟ قال : أرى له عليك مثل كرى البغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل ومثل كرى البغل من النيل إلى بغداد ، ومثل كرى البغل من بغداد إلى الكوفة ، وتوفّيه إيّاه. قال : قلت : جُعلت فداك ، قد علفته بدراهم ، فلي عليه علفه؟ قال : لا ؛ لأنّك غاصب. فقلت : أرأيت لو عطب البغل أو أنفق ، أليس كان يلزمني؟

__________________

(١) سوف يأتي توضيحه في هامش الصفحة ٣٦٦.

قال : نعم ، قيمة بغل يوم خالفته. قلت : فإن أصاب البغل كسر أو دَبر أو عقر؟ فقال : عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه. قلت : فمَن يعرف ذلك؟ قال : أنت وهو ، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك ، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمك ذلك ، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا فيلزمك. قلت : إنّي أعطيته دراهم ورضي بها وحلّلني. قال : إنّما رضي فأحلّك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم ، ولكن ارجع إليه وأخبره بما أفتيتك به ، فإن جعلك في حلٍّ بعد معرفته فلا شي‌ء عليك بعد ذلك .. الخبر» (١).

محلّ الاستشهاد في صحيحة أبي ولّاد :

ومحلّ الاستشهاد فيه فِقْرتان :

الاولى : قوله : «نعم ، قيمة بغل يوم خالفته» إلى ما بعد ، فإنّ الظاهر أنّ اليوم قيد للقيمة ، إمّا بإضافة القيمة المضافة إلى البغل إليه ثانياً ، يعني قيمة يوم المخالفة للبغل ، فيكون إسقاط حرف التعريف من البغل للإضافة ، لا لأنّ ذا القيمة بغل غير معيّن ، حتّى توهم الرواية مذهب مَن جعل القيمي مضموناً بالمثل ، والقيمة إنّما هي قيمة المثل. وإمّا بجعل اليوم قيداً للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل.

وأمّا ما احتمله جماعة (٢) من تعلّق الظرف بقوله : «نعم» القائم‌

__________________

(١) التهذيب ٧ : ٢١٥ ، الحديث ٩٤٣ ، وأورده في الوسائل ١٣ : ٢٥٥ ، الباب ١٧ من أبواب الإجارة ، الحديث الأوّل ، عن الكافي.

(٢) منهم : السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٦ : ٢٤٤ ، والمحقّق النراقي في المستند ٢ : ٣٦٨ ، وصاحب الجواهر في الجواهر ٣٧ : ١٠١ ١٠٢.