درس مکاسب - بیع

جلسه ۸۴: احکام مقبوض به عقد فاسد ۲۵

 

سابقاً مع اتّفاقهما على بقائه عليها إلى يوم التلف ، فتكون الرواية قد تكفّلت بحكم صورتين من صور تنازعهما ، ويبقى بعض الصور ، مثل دعوى المالك زيادة قيمة يوم التلف عن يوم المخالفة ، ولعلّ حكمها أعني حلف الغاصب يعلم من حكم عكسها المذكور في الرواية.

وأمّا على تقدير كون العبرة في القيمة بيوم المخالفة ، فلا بدّ من حمل الرواية على ما إذا اتّفقا على قيمة اليوم السابق على يوم المخالفة ، أو اللاحق له وادّعى الغاصب نقصانه عن تلك (١) يوم المخالفة ، ولا يخفى بُعده.

وأبعد منه : حمل النصّ على التعبّد ، وجعل الحكم في خصوص الدابّة المغصوبة أو مطلقاً (٢) مخالفاً للقاعدة المتّفق عليها نصّاً (٣) وفتوى : من كون البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر (٤) ، كما حكي عن الشيخ في بابي الإجارة والغصب (٥).

الاستشهاد بالصحيحة على ضمان أعلى القيم والمناقشة فيه

وأضعف من ذلك : الاستشهاد بالرواية على اعتبار أعلى القيم من‌

__________________

(١) في «ف» بدل «تلك» : الملك.

(٢) كذا في «ف» ومصحّحة «ن» ، وفي «ش» : «وجعل حكم خصوص الدابة أو مطلقاً» ، وفي سائر النسخ : «وجعل الحكم مخصوصاً في الدابة المغصوبة أو مطلقاً».

(٣) انظر الوسائل ١٨ : ١٧٠ ، الباب ٣ من أبواب كيفية الحكم والدعوى وغيره.

(٤) في «ف» : على المنكر.

(٥) انظر النهاية : ٤٤٦ ، هذا في الإجارة ، ولم نعثر عليه في الغصب.

حين الغصب إلى التلف كما حكي عن الشهيد الثاني (١) إذ لم يعلم لذلك وجهٌ صحيح ، ولم أظفر بمن وجّه دلالتها على هذا المطلب.

الاستدلال على أعلى القيم بوجه آخر ، والمناقشة فيه

نعم ، استدلّوا على هذا القول بأنّ العين مضمونة في جميع تلك الأزمنة التي منها زمان ارتفاع قيمته (٢).

وفيه : إنّ ضمانها في تلك الحال ، إن أُريد به وجوب قيمة ذلك الزمان لو تلف فيه فمسلّم ؛ إذ تداركه لا يكون إلاّ بذلك ، لكنّ المفروض أنّها لم تتلف فيه.

وإن أُريد به استقرار قيمة ذلك الزمان عليه فعلاً وإن تنزّلت بعد ذلك ، فهو مخالف لما تسالموا عليه من عدم ضمان ارتفاع القيمة مع ردّ العين.

وإن أُريد استقرارها عليه بمجرّد الارتفاع مراعى بالتلف ، فهو وإن لم يخالف الاتّفاق إلاّ أنّه مخالف لأصالة البراءة من غير دليلٍ شاغل ، عدا ما حكاه في الرياض عن خاله العلاّمة قدّس الله تعالى روحهما من قاعدة نفي الضرر الحاصل على المالك (٣).

__________________

(١) المسالك ٢ : ٢٠٩ ، والروضة البهية ٧ : ٤٣ ٤٤ ، وحكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٦ : ٢٤٤.

(٢) ممّن استدلّ بذلك : الفاضل المقداد في التنقيح ٤ : ٧٠ ، وابن فهد الحلّي في المهذّب البارع ٤ : ٢٥٢ ، والشهيد الثاني في المسالك ٢ : ٢٠٩ ، وانظر مفتاح الكرامة ٦ : ٢٤٤.

(٣) الرياض ٢ : ٣٠٤ ، والمراد ب «خاله العلاّمة» هو العلاّمة الأكبر الآقا محمد باقر الوحيد البهبهاني قدس‌سره.

وفيه نظر ، كما اعترف به بعض من تأخّر (١).

توجيه الاستدلال

نعم ، يمكن توجيه الاستدلال المتقدّم من كون العين مضمونة في جميع الأزمنة ـ : بأنّ العين إذا ارتفعت قيمتها في زمان وصار ماليتها مقوّمة بتلك القيمة ، فكما أنّه إذا تلفت حينئذٍ يجب تداركها بتلك القيمة ، فكذا إذا حيل بينها وبين المالك حتّى تلفت ؛ إذ لا فرق مع عدم التمكّن منها بين أن تتلف أو تبقى.

نعم ، لو ردّت تُدارَك تلك الماليّة بنفس العين ، وارتفاع القيمة السوقيّة أمر اعتباري لا يضمن بنفسه ؛ لعدم كونه مالاً ، وإنّما هو مقوّم لمالية المال ، وبه تمايز (٢) الأموال كثرةً وقلّة.

والحاصل : أنّ للعين في كلّ زمانٍ من أزمنة تفاوت قيمته مرتبة من الماليّة ، أُزيلت يد المالك منها وانقطعت سلطنته عنها ، فإن رُدّت العين فلا مال سواها يضمن ، وإن تلفت استقرّت عليا (٣) تلك المراتب (٤) ؛ لدخول الأدنى تحت الأعلى ، نظير ما لو فرض للعين منافع متفاوتة متضادّة ، حيث إنّه يضمن الأعلى منها.

ولأجل ذلك استدلّ العلاّمة في التحرير للقول باعتبار يوم الغصب بقوله : لأنّه زمان إزالة يد المالك (٥).

ونقول في توضيحه : إنّ كلّ زمانٍ من أزمنة الغصب قد أُزيلت‌

__________________

(١) المراد به صاحب الجواهر قدس‌سره في الجواهر ٣٧ : ١٠٥.

(٢) في «ف» : تميّز.

(٣) في «ف» و «ن» : أعلى.

(٤) في «ف» زيادة : عليه.

(٥) التحرير ٢ : ١٣٩.

فيه يد المالك من العين على حسب ماليّته ، ففي زمانٍ أُزيلت من مقدار درهم ، وفي آخر عن درهمين ، وفي ثالث عن ثلاثة ، فإذا استمرّت الإزالة إلى زمان التلف وجبت غرامة أكثرها ، فتأمّل.

استدلال ثالث على أعلى القيم وتوجيهه

واستدلّ في السرائر وغيرها على هذا القول بأصالة الاشتغال (١) ؛ لاشتغال ذمّته بحقّ المالك (٢) ، ولا يحصل البراءة إلاّ بالأعلى.

وقد يجاب بأنّ الأصل في المقام البراءة ؛ حيث إنّ الشكّ في التكليف بالزائد (٣). نعم ، لا بأس بالتمسّك باستصحاب الضمان المستفاد من حديث اليد (٤).

المحكي عن جماعة أن الاعتبار بيوم البيع ، وتوجيهه

ثمّ إنّه حكي عن المفيد والقاضي والحلبي : الاعتبار بيوم البيع فيما كان فساده من جهة التفويض (٥) إلى حكم المشتري (٦) ، ولم يعلم له وجه ، ولعلّهم يريدون به يوم القبض ؛ لغلبة اتّحاد زمان البيع والقبض ، فافهم.

__________________

(١) السرائر ٢ : ٤٨١ ، الرياض ٢ : ٣٠٤ ، المناهل : ٢٩٩.

(٢) في «ف» : لاشتغال ذمّة المالك.

(٣) أجاب عنها بذلك في الجواهر ٣٧ : ١٠٦.

(٤) وهو ما ورد عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» ، عوالي اللآلي ٣ : ٢٤٦ ، الحديث ٢.

(٥) في غير «ش» : تفويض.

(٦) المقنعة : ٥٩٣ ، ولم نعثر عليه في الكافي والمهذّب ، والظاهر أنّ المؤلّف قدس‌سره أخذ ذلك عن العلاّمة قدس‌سره في المختلف ٥ : ٢٤٣ و ٢٤٤ ، حيث نقل عن الشيخ في النهاية ما نصّه : من اشترى شيئاً بحكم نفسه ولم يذكر الثمن بعينه كان البيع باطلاً ، فإن هلك في يد المبتاع كان عليه قيمته يوم ابتياعه إلى أن قال وكذا قال المفيد وابن البرّاج وأبو الصلاح.