درس مکاسب - بیع

جلسه ۱۰۲: شروط متعاقدین ۱۱

 

وظاهره وإن كان رفع المؤاخذة ، إلاّ أنّ استشهاد الإمام عليه‌السلام به في رفع بعض الأحكام الوضعيّة يشهد لعموم (١) المؤاخذة فيه لمطلق الإلزام عليه بشي‌ءٍ.

ففي صحيحة البزنطي ، عن أبي الحسن عليه‌السلام : «في الرجل يستكره على اليمين» فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك ، أيلزمه ذلك؟ فقال عليه‌السلام : لا ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وضع عن أُمّتي ما اكرهوا عليه ، وما لم يطيقوا ، وما أخطأوا» (٢).

والحلف بالطلاق والعتاق وإن لم يكن صحيحاً عندنا من دون الإكراه أيضاً ، إلاّ أنّ مجرّد استشهاد الإمام عليه‌السلام في عدم وقوع آثار ما حلف به بوضع ما اكرهوا عليه ، يدلّ على أنّ المراد بالنبوي (٣) ليس رفع (٤) خصوص المؤاخذة والعقاب الأُخروي.

هذا كلّه ، مضافاً إلى الأخبار الواردة في طلاق المكره (٥) بضميمة عدم الفرق.

ثمّ إنّه يظهر من جماعة منهم الشهيدان (٦) ـ : أنّ المكره قاصد‌

__________________

(١) في «ف» : بعموم.

(٢) الوسائل ١٦ : ١٣٦ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان ، الحديث ١٢.

(٣) لم ترد «بالنبوي» في «ف».

(٤) كلمة «رفع» من «ف» فقط.

(٥) انظر الوسائل ١٥ : ٣٣١ ، الباب ٣٧ من أبواب مقدّمات الطلاق ، والصفحة ٢٩٩ ، الباب ١٨ من نفس الأبواب ، الحديث ٦.

(٦) انظر الدروس ٣ : ١٩٢ ، والمسالك ٣ : ١٥٦ ، والروضة البهية ٣ : ٢٢٦ ٢٢٧.

إلى اللفظ غير قاصد إلى مدلوله ، بل يظهر ذلك من بعض كلمات العلاّمة.

وليس مرادهم أنّه لا قصد له إلاّ إلى مجرّد التكلّم ، كيف! والهازل الذي هو دونه في القصد قاصد للمعنى قصداً صورياً ، والخالي عن القصد إلى غير التكلّم هو من يتكلّم تقليداً أو تلقيناً ، كالطفل الجاهل بالمعاني.

المراد من قولهم : «المكره قاصد إلى اللفظ غير قاصد إلى مدلوله»

فالمراد بعدم قصد المكره : عدم القصد إلى وقوع مضمون العقد في الخارج ، وأنّ الداعي له إلى الإنشاء ليس قصد وقوع مضمونه في الخارج (١) ، لا أنّ كلامه الإنشائي مجرّد عن المدلول ، كيف! وهو معلولٌ للكلام (٢) الإنشائي إذا كان مستعملاً غير مهمل.

وهذا الذي ذكرنا لا يكاد يخفى على من له أدنى تأمّلٍ في معنى الإكراه لغةً وعرفاً وأدنى تتبّع فيما ذكره الأصحاب في فروع الإكراه التي لا تستقيم (٣) مع ما توهمه (٤) ، من خلوّ المكرَه عن قصد مفهوم اللفظ (٥) وجعله مقابلاً للقصد ، وحكمهم بعدم وجوب التورية في التفصّي‌

__________________

(١) وردت العبارة في «ف» مختصرة هكذا : فالمراد عدم وقوع مضمونه في الخارج.

(٢) كذا في «ف» ، وفي غيرها : الكلام.

(٣) في «م» و «ش» : لا يستقيم.

(٤) أي توهمه عبارة الجماعة ، منهم : العلاّمة والشهيدان ، وفي مصحّحة «ن» : توهم.

(٥) لم ترد «التي لا تستقيم إلى مفهوم اللفظ» في «ف».

عن الإكراه (١) وصحّة بيعه (٢) بعد الرضا (٣) ، واستدلالهم (٤) له بالأخبار الواردة في طلاق المكره وأنّه لا طلاق إلاّ مع إرادة الطلاق (٥) ، حيث إنّ المنفيّ صحّة الطلاق ، لا تحقّق مفهومه لغةً وعرفاً ، وفي ما ورد فيمن طلّق مداراةً بأهله (٦) ، إلى غير ذلك ، وفي أنّ مخالفة بعض العامّة في وقوع الطلاق إكراهاً (٧) ، لا ينبغي أن تحمل على الكلام المجرّد عن قصد المفهوم ، الذي لا يسمّى خبراً ولا إنشاءً وغير ذلك ، ممّا يوجب القطع بأنّ المراد بالقصد المفقود في المكره هو : القصد إلى وقوع أثر العقد ومضمونه في الواقع وعدم طيب النفس به ، لا عدم إرادة المعنى من الكلام.

ويكفي في ذلك ما ذكره الشهيد الثاني : من أنّ المكره والفضولي قاصدان إلى اللفظ دون مدلوله (٨) ، نعم ذكر في التحرير والمسالك في‌

__________________

(١) انظر الروضة البهيّة ٦ : ٢١ ، والمسالك ٩ : ٢٢ ، ونهاية المرام : ٢ : ١٢ ، والجواهر ٣٢ : ١٥.

(٢) كما ادّعى الاتّفاق ظاهراً في الحدائق ١٨ : ٣٧٣ ، والرياض ١ : ٥١١. وفي مفتاح الكرامة ٤ : ١٧٣ ، والجواهر ٢٢ : ٢٦٧ نسبتها إلى المشهور.

(٣) في «ف» زيادة : به.

(٤) كما استدلّ به المحقّق النراقي في المستند ٢ : ٣٦٤.

(٥) راجع الوسائل ١٥ : ٣٣١ ، الباب ٣٧ من أبواب مقدّمات الطلاق.

(٦) الوسائل ١٥ : ٣٣٢ ، الباب ٣٨ من أبواب مقدّمات الطلاق.

(٧) خالف في ذلك أبو حنيفة وأصحابه ، انظر بداية المجتهد ٢ : ٨١ ، والمغني لابن قدامة ٧ : ١١٨.

(٨) كما تقدّم عنه في الصفحة ٢٩٥ و ٣٠٨.

فروع المسألة ما يوهم ذلك (١) ، قال في التحرير : لو اكره على الطلاق فطلّق ناوياً ، فالأقرب وقوع الطلاق ، إذ لا إكراه على القصد (٢) ، انتهى.

وبعض المعاصرين (٣) بنى هذا الفرع على تفسير القصد بما ذكرنا من متوهَّم كلامهم ، فردّ عليهم بفساد المبنى ، وعدم وقوع الطلاق في الفرض المزبور ، لكنّ المتأمّل يقطع بعدم إرادتهم لذلك ، وسيأتي ما يمكن توجيه الفرع المزبور به (٤).

حقيقة الإكراه

ثمّ إنّ حقيقة الإكراه لغةً وعرفاً : حمل الغير على ما يكرهه ، ويعتبر في وقوع الفعل عن (٥) ذلك الحمل : اقترانه بوعيد منه (٦) مظنون الترتّب على ترك (٧) ذلك الفعل ، مضرٍّ بحال الفاعل أو متعلّقه نفساً أو عِرضاً أو مالاً.

فظهر من ذلك : أنّ مجرّد الفعل لدفع الضرر المترتّب على تركه لا يُدخِله في «المكره عليه» ، كيف! والأفعال الصادرة من العقلاء كلّها أو جلّها ناشئة عن دفع الضرر ، وليس دفع مطلق الضرر الحاصل من‌

__________________

(١) انظر المسالك ٩ : ٢٢.

(٢) التحرير ٢ : ٥١.

(٣) انظر الجواهر ٣٢ : ١٥.

(٤) يأتي في الصفحة ٣٢٥.

(٥) في غير «ف» و «ن» : من.

(٦) كذا في «ف» و «ش» ، وفي غيرهما : «بتوعيد» ، وصُحّح في «ن» بما أثبتناه ، إلاّ أنّه شطب فيها على «منه».

(٧) لم ترد «ترك» في «ف».

إيعاد شخص يوجب صدق «المكره» عليه ، فإنّ من اكره على دفع مالٍ وتوقّف على بيع بعض أمواله ، فالبيع الواقع منه لبعض أمواله وإن كان لدفع الضرر المتوعّد به على عدم دفع ذلك المال ولذا يرتفع التحريم عنه لو فرض حرمته عليه لحلف أو شبهه ـ ، إلاّ أنّه ليس مُكرَهاً عليه (١).

المعيار في صدق الإكراه

فالمعيار في وقوع الفعل مُكرَهاً عليه : سقوط الفاعل من أجل الإكراه المقترن بإيعاد الضرر عن الاستقلال في التصرّف ؛ بحيث لا تطيب نفسه بما يصدر منه ولا يتعمّد (٢) إليه عن رضا وإن كان يختاره لاستقلال العقل بوجوب اختياره ؛ دفعاً للضرر أو ترجيحاً لأقلّ الضررين ، إلاّ أنّ هذا المقدار لا يوجب طيب نفسه به ؛ فإنّ النفس مجبولة على كراهة ما يحمله غيره عليه مع الإيعاد عليه بما يشقّ (٣) تحمّله.

والحاصل : أنّ الفاعل قد يفعل لدفع الضرر ، لكنّه مستقلّ في فعله ومخلّى وطبعه فيه بحيث يطيب نفسه بفعله وإن كان من باب علاج الضرر ، وقد يفعل لدفع ضرر إيعاد الغير على تركه ، وهذا ممّا لا يطيب النفس به ، وذلك معلوم بالوجدان.

هل يعتبر عدم إمكان التفصي عن الضرر بما لا ضرر فيه

ثمّ إنّه هل يعتبر في موضوع الإكراه أو حكمه عدم إمكان التفصّي‌

__________________

(١) عليه» من «ف» فقط.

(٢) في «خ» ، «ع» و «ص» : يعتمد.

(٣) كذا في «ف» و «ش» ، وفي «م» و «ع» : «لا يشقّ» ، وفي «ن» ، «خ» و «ص» محلّ كلمة «لا» بياض.