درس مکاسب - بیع

جلسه ۱۰۴: شروط متعاقدین ۱۳

 

وليس التفصّي من الضرر أحد فردَي المكره عليه ، حتّى لا يوجب تخيير الفاعل فيهما سلب الإكراه عنهما ، كما لو أكرهه على أحد الأمرين (١) ، حيث يقع كلٌّ منهما حينئذٍ مكرَهاً (٢) ؛ لأنّ الفعل المتفصّى به مسقِط عن المُكرَه عليه ، لا بدلٌ له ؛ ولذا لا يجري أحكام المكره عليه إجماعاً ، فلا يفسد إذا كان عقداً.

وما ذكرناه وإن كان جارياً في التورية ، إلاّ أنّ الشارع رخّص في ترك التورية بعد عدم إمكان التفصّي بوجهٍ آخر ؛ لما ذكرنا من ظهور النصوص والفتاوى ، وبُعدِ حملها على صورة العجز عن التورية ، مع أنّ العجز عنها لو كان معتبراً لأُشير إليها في تلك الأخبار الكثيرة المجوّزة للحلف كاذباً عند الخوف والإكراه (٣) ، خصوصاً في قضيّة عمّار وأبويه ، حيث اكرهوا على الكفر ، فأبى أبواه فقُتلا ، وأظهر لهم عمّار ما أرادوا ، فجاء باكياً إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنزلت الآية ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ (٤) فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن عادوا عليك فعد» (٥). ولم ينبّهه على التورية ، فإنّ التنبيه في المقام وإن لم يكن واجباً ، إلاّ أنّه لا شكّ في رجحانه ،

__________________

(١) في «ف» : أمرين.

(٢) في «ص» زيادة : «عليه» استدراكاً.

(٣) انظر الوسائل ١٦ : ١٣٤ و ١٤٣ ، الباب ١٢ و ١٦ من أبواب كتاب الأيمان.

(٤) النحل : ١٠٦.

(٥) مجمع البيان ٣ : ٣٨٨ ، والوسائل ١١ : ٤٧٦ ، الباب ٢٩ من أبواب الأمر والنهي ، الحديث ٢.

خصوصاً من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باعتبار شفقته على عمّار ، وعلمه بكراهة تكلّم عمّار بألفاظ الكفر من دون تورية ، كما لا يخفى.

الفرق بين إمكان التفصي بالتورية وإمكانه بغيرها

هذا (١) ، ولكنّ الأولى : أن يفرّق بين إمكان التفصّي بالتورية وإمكانه بغيرها ، بتحقّق الموضوع في الأوّل دون الثاني ؛ لأنّ الأصحاب (٢) وفاقاً للشيخ في المبسوط (٣) ذكروا من شروط تحقّق الإكراه : أن يعلم أو يظنّ المكرَه بالفتح أنّه لو امتنع ممّا (٤) اكره عليه وقع فيما توعّد عليه ، ومعلوم أنّ المراد ليس امتناعه عنه في الواقع ولو مع اعتقاد المكرِه بالكسر عدم الامتناع ، بل المعيار في وقوع الضرر : اعتقاد المكرِه لامتناع المكرَه ، وهذا المعنى يصدق مع إمكان التورية ، ولا يصدق مع التمكّن من التفصّي بغيرها ؛ لأنّ المفروض تمكّنه من الامتناع مع اطّلاع المُكرَه عليه وعدم وقوع الضرر عليه.

والحاصل : أنّ التلازم بين امتناعه ووقوع الضرر الذي هو المعتبر في صدق الإكراه موجود مع التمكّن بالتورية ، لا مع التمكّن بغيرها ، فافهم (٥).

__________________

(١) لم ترد «هذا» في «ص».

(٢) مثل المحقّق في الشرائع ٣ : ١٣ ، والعلاّمة في التحرير ٢ : ٥١ ، والشهيد الثاني في الروضة ٦ : ٢٠ ، والسيّد السند في نهاية المرام ٢ : ١١ ، والمحقّق السبزواري في الكفاية : ١٩٨.

(٣) المبسوط ٥ : ٥١.

(٤) في «م» و «ع» : ما.

(٥) لم ترد : «هذا ولكن إلى فافهم» في «ف».

عدم اعتبار العجز في الإكراه الرافع لأثر المعاملات

ثمّ إنّ ما ذكرنا من اعتبار العجز عن التفصّي إنّما هو في الإكراه المسوِّغ للمحرمات ، ومناطه توقّف دفع ضرر المكرِه على ارتكاب المكرَه عليه ، وأمّا الإكراه الرافع لأثر المعاملات ، فالظاهر أنّ المناط فيه عدم طيب النفس بالمعاملة ، وقد يتحقّق مع إمكان التفصّي ، مثلاً من كان قاعداً في مكان خاصّ خالٍ عن الغير متفرّغاً لعبادة أو مطالعة ، فجاءه من أكرهه على بيع شي‌ءٍ ممّا عنده وهو في هذه الحال غير قادرٍ على دفع ضرره وهو كارهٌ للخروج عن ذلك المكان لكن لو خرج كان له في الخارج خَدَمٌ يكفونه شرّ المكرِه ، فالظاهر صدق الإكراه حينئذٍ ، بمعنى عدم طيب النفس لو باع ذلك الشي‌ء ، بخلاف من كان خَدَمه حاضرين عنده ، وتوقّف دفع ضرر إكراه الشخص على أمر خَدَمه بدفعه وطرده ؛ فإنّ هذا لا يتحقّق في حقّه الإكراه ، ويكذّب لو ادّعاه ، بخلاف الأوّل إذا اعتذر بكراهة الخروج عن ذلك المنزل.

ولو فرض في ذلك المثال إكراهه على محرّمٍ لم يعذر فيه بمجرّد كراهة الخروج عن ذلك المنزل ، وقد (١) تقدّم الفرق بين الجبر والإكراه في رواية ابن سنان (٢).

المراد من الإكراه الرافع لأثر المعاملات

فالإكراه المعتبر في تسويغ المحظورات ، هو : الإكراه بمعنى الجبر المذكور في الرواية (٣) ، والرافع لأثر المعاملات هو (٤) : الإكراه الذي ذكر‌

__________________

(١) في «ش» : فقد.

(٢) تقدّمت في الصفحة ٣١٣.

(٣) عبارة «في الرواية» من «ف» ومصحّحتي «ن» و «خ».

(٤) في «ن» ، «خ» ، «م» و «ع» : «وهو» ، ومحلّ «و» في «ص» بياض.

فيها (١) أنّه قد يكون من الأب والولد والمرأة ، والمعيار فيه : عدم طيب النفس فيها (٢) ، لا الضرورة والإلجاء وإن كان هو المتبادر من لفظ الإكراه ؛ ولذا يحمل (٣) الإكراه في حديث الرفع (٤) عليه ، فيكون الفرق بينه وبين الاضطرار المعطوف عليه في ذلك الحديث اختصاص الاضطرار بالحاصل لا من فعل الغير كالجوع والعطش والمرض ، لكنّ الداعي على اعتبار ما ذكرنا في المعاملات هو أنّ العبرة فيها بالقصد الحاصل عن طيب النفس ؛ حيث استدلّوا (٥) على ذلك بقوله تعالى ﴿تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ (٦) ، و «لا يحلّ مال امرئٍ مسلم (٧) إلاّ عن طيب نفسه» (٨) ، وعموم اعتبار الإرادة في صحّة الطلاق (٩) ، وخصوص ما ورد في فساد (١٠) طلاق من طلّق للمداراة مع عياله (١١).

__________________

(١) كذا في «ف» و «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : ذكر في تلك الرواية.

(٢) لم ترد «فيها» في «ف».

(٣) كذا في «ن» ، «ص» و «ش» ، وفي «ف» : «نحمل» ، وفي سائر النسخ : تحمل.

(٤) المتقدّم في الصفحة ٣٠٧.

(٥) انظر مقابس الأنوار : ١١٤ ، والجواهر ٢٢ : ٢٦٥.

(٦) النساء : ٢٩.

(٧) لم ترد «مسلم» في «ف».

(٨) عوالي اللآلي ٢ : ١١٣ ، الحديث ٣٠٩.

(٩) انظر الوسائل ١٥ : ٢٨٥ ، الباب ١١ من أبواب مقدّمات الطلاق.

(١٠) في «ف» بدل «في فساد» : في خصوص.

(١١) انظر الوسائل ١٥ : ٣٣٢ ، الباب ٣٨ من أبواب مقدّمات الطلاق.