درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۹: علم اجمالی ۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الاحتياط ؛ من جهة وجود القول بالمنع من جماعة (١).

وإن توقّف الاحتياط على التكرار فالظاهر ـ أيضا ـ جواز التكرار ، بل أولويّته على الأخذ بالظنّ الخاصّ ؛ لما تقدّم (٢) : من أنّ تحصيل الواقع بطريق العلم ولو إجمالا أولى من تحصيل الاعتقاد الظنّي به ولو كان تفصيلا. وأدلّة الظنون الخاصّة إنّما دلّت على كفايتها عن الواقع ، لا تعيّن (٣) العمل بها في مقام الامتثال.

إلاّ أنّ شبهة اعتبار نيّة الوجه ـ كما هو قول جماعة ، بل المشهور بين المتأخّرين (٤) ـ جعل (٥) الاحتياط في خلاف ذلك ، مضافا إلى ما عرفت من مخالفة التكرار للسيرة المستمرّة.

مع إمكان أن يقال : إنّه إذا شكّ ـ بعد القطع بكون داعي الأمر هو التعبّد بالمأمور به ، لا حصوله بأيّ وجه اتّفق ـ في أنّ الداعي هو التعبّد بإيجاده ولو في ضمن أمرين أو أزيد ، أو التعبّد بخصوصه متميّزا عن غيره ، فالأصل عدم سقوط الغرض الداعي إلاّ بالثاني ، وهذا ليس تقييدا في دليل تلك العبادة حتّى يدفع بإطلاقه ، كما لا يخفى.

وحينئذ : فلا ينبغي ، بل لا يجوز ترك الاحتياط ـ في جميع موارد

__________________

(١) منهم : الشهيد الأوّل في الألفيّة والنفليّة : ٣٩ ، والشهيد الثاني في المقاصد العليّة : ٣٢ ، وروض الجنان : ٢٤٨.

(٢) في الصفحة السابقة.

(٣) كذا في (ر) و (م) ، وفي غيرهما : «تعيين».

(٤) تقدّمت الإشارة إليهم في الصفحة السابقة ، الهامش (١).

(٥) الأنسب : «جعلت» ؛ لأنّ الضمير يعود إلى «شبهة».

إرادة التكرار ـ بتحصيل الواقع أوّلا بظنّه المعتبر ، من التقليد أو الاجتهاد بإعمال الظنون الخاصّة أو المطلقة ، وإتيان الواجب مع نيّة الوجه ، ثمّ الإتيان بالمحتمل الآخر بقصد القربة من جهة الاحتياط.

وتوهّم : أنّ هذا قد يخالف الاحتياط ؛ من جهة احتمال كون الواجب ما أتى به بقصد القربة ، فيكون قد أخلّ فيه بنيّة الوجوب.

مدفوع : بأنّ هذا المقدار من المخالفة للاحتياط ممّا لا بدّ منه ؛ إذ لو أتى به بنيّة الوجوب كان فاسدا قطعا ؛ لعدم وجوبه ظاهرا على المكلّف بعد فرض الإتيان بما وجب عليه في ظنّه المعتبر.

وإن شئت قلت : إنّ نيّة الوجه ساقطة فيما يؤتى به من باب الاحتياط إجماعا حتّى من القائلين باعتبار نيّة الوجه ؛ لأنّ لازم قولهم باعتبار نيّة الوجه في مقام الاحتياط عدم مشروعيّة الاحتياط وكونه لغوا ، ولا أظنّ أحدا يلتزم بذلك عدا السيّد أبي المكارم في ظاهر كلامه في الغنية في ردّ الاستدلال على كون الأمر للوجوب : ب : أنّه أحوط (١) ، وسيأتي ذكره (٢) عند الكلام على الاحتياط في طيّ مقدّمات دليل الانسداد (٣).

__________________

(١) الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٦٣.

(٢) انظر الصفحة ٤١٦ ـ ٤١٨.

(٣) لم ترد عبارة «عدا السيّد ـ إلى ـ الانسداد» في (ل) ، ولم نعثر على كلام للسيّد في الموضع الذي أشار إليه المصنّف ، ويؤيّده ما قاله في أوثق الوسائل : «لا يذهب عليك : أنّه لم يتعرّض المصنّف ; عند الكلام على الاحتياط في مقدّمات دليل الانسداد ، للكلام على عدم مشروعيّة الاحتياط ولا لكلام السيّد ، مع إطنابه الكلام ثمّة في وجوب الاحتياط ومنعه» أوثق الوسائل : ٤٤.

[المقام الأوّل](١)

هل تحرم المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي؟

أمّا (٢) المقام الأوّل وهو كفاية العلم الإجمالي في تنجّز التكليف ، واعتباره كالتفصيلي ، فقد عرفت (٣) : أنّ الكلام في اعتباره بمعنى وجوب الموافقة القطعيّة وعدم كفاية الموافقة الاحتماليّة راجع إلى مسألة البراءة والاحتياط ، والمقصود هنا بيان اعتباره في الجملة الذي أقلّ مرتبته (٤) حرمة المخالفة (٥) القطعيّة ، فنقول :

صور العلم الإجمالي

إنّ للعلم الإجمالي صورا كثيرة ؛ لأنّ الإجمال الطارئ :

إمّا من جهة متعلّق الحكم مع تبيّن نفس الحكم تفصيلا ، كما لو شككنا أنّ حكم الوجوب في يوم الجمعة يتعلّق (٦) بالظهر أو الجمعة ، وحكم الحرمة يتعلّق بهذا الموضوع الخارجي من المشتبهين أو بذاك.

وإمّا من جهة نفس الحكم مع تبيّن موضوعه ، كما لو شكّ في أنّ هذا الموضوع المعلوم الكلّي أو الجزئي يتعلّق به الوجوب أو الحرمة.

وإمّا من جهة الحكم والمتعلّق جميعا ، مثل أن نعلم أنّ حكما من

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) في (ظ) و (م) : «وأمّا».

(٣) راجع الصفحة ٧٠.

(٤) كذا في (م) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرهما : «مراتبه».

(٥) في (ظ) و (م) : «مخالفته».

(٦) في (ت) ، (ل) و (ه) : «متعلّق».

الوجوب والتحريم تعلّق بأحد هذين الموضوعين.

ثمّ (١) الاشتباه في كلّ من الثلاثة :

إمّا من جهة الاشتباه في الخطاب الصادر عن الشارع ، كما في مثال الظهر والجمعة.

وإمّا من جهة اشتباه مصاديق متعلّق ذلك الخطاب ، كما في المثال الثاني.

والاشتباه في هذا القسم : إمّا في المكلّف به كما في الشبهة المحصورة ، وإمّا في المكلّف.

وطرفا الشبهة في المكلّف : إمّا أن يكونا احتمالين في مخاطب واحد كما في الخنثى ، وإمّا أن يكونا احتمالين في مخاطبين ، كما في واجدي المني في الثوب المشترك.

العلم الإجمالي الطريقي والموضوعي

ولا بدّ قبل التعرّض لبيان حكم الأقسام من التعرّض لأمرين : الأوّل (٢) : أنّك قد عرفت في أوّل مسألة اعتبار العلم (٣) : أنّ اعتباره قد يكون من باب محض الكشف والطريقيّة ، وقد يكون من باب الموضوعية بجعل الشارع.

والكلام هنا في الأوّل ؛ إذ اعتبار العلم الإجمالي وعدمه في الثاني تابع لدلالة ما دلّ على جعله موضوعا ، فإن دلّ على كون العلم التفصيلي داخلا في الموضوع ـ كما لو فرضنا أنّ الشارع لم يحكم بوجوب

__________________

(١) في (ص) : «ثمّ إنّ».

(٢) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «أحدهما».

(٣) راجع الصفحة ٣٠.