درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۶۲: اجماع منقول ۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

كالمبتدإ في الحجّية (١) ، انتهى.

وقال المحقّق في المعتبر ـ بعد إناطة حجّية الإجماع بدخول قول الإمام عليه‌السلام ـ : إنّه لو خلا المائة من فقهائنا من قوله لم يكن قولهم حجّة ، ولو حصل في اثنين كان قولهما حجّة (٢) ، انتهى.

وقال العلاّمة رحمه‌الله ـ بعد قوله : إنّ الإجماع عندنا حجّة لاشتماله على قول المعصوم ـ : وكلّ جماعة قلّت أو كثرت كان قول الإمام عليه‌السلام في جملة أقوالها فإجماعها حجّة لأجله ، لا لأجل الإجماع (٣) ، انتهى.

هذا ، ولكن لا يلزم من كونه حجّة تسميته إجماعا في الاصطلاح ، كما أنّه ليس كلّ خبر جماعة يفيد العلم متواترا في الاصطلاح.

وأمّا ما اشتهر بينهم : من أنّه لا يقدح خروج معلوم النسب واحدا أو أكثر ، فالمراد أنّه لا يقدح في حجّية اتّفاق الباقي ، لا في تسميته إجماعا ، كما علم من فرض المحقّق قدس‌سره الإمام عليه‌السلام في اثنين.

نعم ، ظاهر كلمات جماعة (٤) يوهم تسميته إجماعا (٥) ؛ حيث تراهم يدّعون الإجماع في مسألة ثمّ يعتذرون عن وجود المخالف بأنّه معلوم النسب.

__________________

(١) الذريعة ٢ : ٦٣٠ ، ٦٣٢ و ٦٣٥.

(٢) المعتبر ١ : ٣١.

(٣) نهاية الوصول (مخطوط) : ٢٤١.

(٤) مثل : الشهيد الثاني في المسالك ١ : ٣٨٩ ، وصاحب الرياض في الرياض ٢ : ٣٤٦.

(٥) في (ر) زيادة : «اصطلاحا» ، وفي (ص) زيادة : «في الاصطلاح».

لكنّ التأمّل الصادق يشهد بأنّ الغرض الاعتذار عن قدح المخالف في الحجّية ، لا في التسمية.

المسامحة في إطلاق الإجماع

نعم ، يمكن أن يقال : إنّهم قد تسامحوا في إطلاق الإجماع على اتّفاق الجماعة التي علم دخول الإمام عليه‌السلام فيها ؛ لوجود مناط الحجّية فيه ، وكون وجود المخالف غير مؤثّر شيئا. وقد شاع هذا التسامح بحيث كاد أن (١) ينقلب اصطلاح الخاصّة عمّا وافق اصطلاح العامّة إلى ما يعمّ اتّفاق طائفة من الإماميّة ، كما يعرف من أدنى تتبّع لموارد الاستدلال.

بل إطلاق لفظ «الإجماع» بقول مطلق على إجماع الإماميّة فقط ـ مع أنّهم بعض الامّة لا كلّهم ـ ليس إلاّ لأجل المسامحة ؛ من جهة أنّ وجود المخالف كعدمه من حيث مناط الحجّية.

وعلى أيّ تقدير : فظاهر إطلاقهم إرادة دخول قول الإمام عليه‌السلام في أقوال المجمعين بحيث يكون دلالته عليه بالتضمّن ، فيكون الإخبار عن الإجماع إخبارا عن قول الإمام عليه‌السلام ، وهذا هو الذي يدلّ عليه كلام المفيد (٢) والمرتضى (٣) وابن زهرة (٤) والمحقّق (٥) والعلاّمة (٦)

__________________

(١) لم ترد «أن» في (ه) ، وشطب عليها في (ت).

(٢) أوائل المقالات (مصنّفات الشيخ المفيد) ٤ : ١٢١.

(٣) الذريعة ٢ : ٦٠٥.

(٤) الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٧٧.

(٥) المعتبر ١ : ٣١ ، والمعارج : ١٣٢.

(٦) نهاية الوصول (مخطوط) : ٢٤١ ، وتهذيب الوصول : ٦٥ و ٧٠.

والشهيدين (١) ومن تأخّر عنهم (٢).

وأمّا اتّفاق من عدا الإمام عليه‌السلام بحيث يكشف عن صدور الحكم عن الإمام عليه‌السلام بقاعدة اللطف كما عن الشيخ رحمه‌الله (٣) ، أو التقرير كما عن بعض المتأخّرين (٤) ، أو بحكم العادة القاضية باستحالة توافقهم على الخطأ مع كمال بذل الوسع في فهم الحكم الصادر عن الإمام عليه‌السلام ، فهذا ليس إجماعا اصطلاحيّا ، إلاّ أن ينضمّ قول الإمام عليه‌السلام ـ المكشوف عنه باتّفاق هؤلاء ـ إلى أقوالهم (٥) فيسمّى المجموع إجماعا ؛ بناء على ما تقدّم (٦) :

من المسامحة في تسمية اتّفاق جماعة مشتمل على قول الإمام عليه‌السلام إجماعا وإن خرج عنه الكثير أو الأكثر. فالدليل في الحقيقة هو اتّفاق من عدا الإمام عليه‌السلام ، والمدلول الحكم الصادر عنه عليه‌السلام ، نظير كلام الإمام عليه‌السلام ومعناه.

فالنكتة في التعبير عن الدليل بالإجماع ـ مع توقّفه على ملاحظة انضمام مذهب الإمام عليه‌السلام الذي هو المدلول إلى الكاشف عنه ، وتسمية المجموع دليلا ـ : هو التحفّظ على ما جرت عليه (٧) سيرة أهل الفنّ ، من

__________________

(١) الذكرى ١ : ٤٩ ، والقواعد والفوائد ١ : ٢١٧ ، وتمهيد القواعد : ٢٥١.

(٢) منهم : صاحب المعالم في المعالم : ١٧٣ ، والفاضل التوني في الوافية : ١٥١.

(٣) العدّة ٢ : ٦٣١ و ٦٣٧.

(٤) هو المحقّق التستري في كشف القناع : ١٦٤.

(٥) في (م) : «قولهم».

(٦) راجع الصفحة السابقة.

(٧) لم ترد «عليه» في غير (ت) و (ه).

إرجاع كلّ دليل إلى أحد الأدلّة المعروفة بين الفريقين ، أعني الكتاب والسنّة والإجماع والعقل ، ففي إطلاق الإجماع على هذا مسامحة في مسامحة.

مسامحة اخرى في إطلاق الإجماع

وحاصل المسامحتين : إطلاق الإجماع على اتّفاق طائفة يستحيل بحكم العادة خطأهم وعدم وصولهم إلى حكم الإمام عليه‌السلام.

والاطّلاع على تعريفات الفريقين واستدلالات الخاصّة وأكثر العامّة على حجّية الإجماع ، يوجب القطع بخروج هذا الإطلاق عن المصطلح وبنائه على المسامحة ؛ لتنزيل وجود من خرج عن هذا الاتّفاق منزلة عدمه ، كما قد عرفت من السيّد والفاضلين قدّست أسرارهم (١) : من أنّ كلّ جماعة ـ قلّت أو كثرت ـ علم دخول قول الإمام عليه‌السلام فيهم ، فإجماعها حجّة.

ويكفيك في هذا : ما سيجيء (٢) من المحقّق الثاني في تعليق الشرائع : من دعوى الإجماع على أنّ خروج الواحد من علماء العصر قادح في انعقاد الإجماع. مضافا إلى ما عرفت (٣) : من إطباق الفريقين على تعريف الإجماع باتّفاق الكلّ.

لا ضير في المسامحتين

ثمّ إنّ المسامحة من الجهة الاولى أو الثانية في إطلاق لفظ «الإجماع» على هذا من دون قرينة لا ضير فيها ؛ لأنّ العبرة في الاستدلال بحصول العلم من الدليل للمستدلّ (٤).

__________________

(١) راجع الصفحة ١٨٥ ـ ١٨٦.

(٢) انظر الصفحة ١٩٦.

(٣) راجع الصفحة ١٨٤.

(٤) لم ترد «للمستدلّ» في (ه).