درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۷۵: اجماع منقول ۱۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المطالب الشرعيّة ، وفهم معاني الأقارير والوصايا وسائر العقود والايقاعات المشتبهة ، وغير ذلك ممّا لا يخفى على المتأمّل.

ولا طريق إلى ما اشتبه من جميع ذلك ـ غالبا ـ سوى النقل الغير الموجب للعلم ، والرجوع إلى الكتب المصحّحة ظاهرا ، وسائر الأمارات الظنّية ، فيلزم جواز العمل بها والتعويل عليها فيما ذكر.

فيكون خبر الواحد الثقة حجّة معتمدا عليها فيما نحن فيه ، ولا سيّما إذا كان الناقل من الأفاضل الأعلام والأجلاّء الكرام كما هو الغالب ، بل هو أولى بالقبول والاعتماد من أخبار الآحاد في نفس الأحكام ؛ ولذا بني على المسامحة فيه من وجوه شتّى بما لم يتسامح فيها ، كما لا يخفى.

الثالثة : حصول استكشاف الحجّة المعتبرة من ذلك السبب.

ووجهه : أنّ السبب المنقول بعد حجّيّته ، كالمحصّل في ما يستكشف منه والاعتماد عليه وقبوله وإن كان من الأدلّة الظنّية باعتبار ظنّية أصله ؛ ولذا كانت النتيجة في الشكل الأوّل تابعة ـ في الضروريّة والنظريّة والعلميّة والظنيّة وغيرها ـ لأخسّ مقدمتيه مع بداهة إنتاجه.

فينبغي حينئذ : أن يراعى حال الناقل حين نقله من جهة ضبطه ، وتورّعه في النقل ، وبضاعته في العلم ، ومبلغ نظره ووقوفه على الكتب والأقوال ، واستقصائه لما تشتّت منها ، ووصوله إلى وقائعها ؛ فإنّ أحوال العلماء مختلف فيها اختلافا فاحشا. وكذلك حال الكتب المنقول فيها الإجماع ، فربّ كتاب لغير متتبّع موضوع على مزيد التتبّع والتدقيق ، وربّ كتاب لمتتبّع موضوع على المسامحة وقلّة التحقيق.

ومثله الحال في آحاد المسائل ؛ فإنّها تختلف أيضا في ذلك.

وكذا حال لفظه بحسب وضوح دلالته على السبب وخفائها ، وحال ما يدلّ عليه من جهة متعلّقه وزمان نقله ؛ لاختلاف الحكم بذلك ، كما هو ظاهر.

ويراعى أيضا وقوع دعوى الإجماع في مقام ذكر الأقوال أو الاحتجاج ؛ فإنّ بينهما تفاوتا من بعض الجهات ، وربما كان الأوّل الأولى (١) بالاعتماد بناء على اعتبار السبب كما لا يخفى.

وإذا (٢) وقع التباس فيما يقتضيه ويتناوله كلام الناقل بعد ملاحظة ما ذكر ، اخذ بما هو المتيقّن أو الظاهر.

ثمّ ليلحظ مع ذلك : ما يمكن معرفته من الأقوال على وجه العلم واليقين ؛ إذ لا وجه لاعتبار المظنون المنقول على سبيل الاجمال دون المعلوم على التفصيل. مع أنّه لو كان المنقول معلوما لما اكتفي به في الاستكشاف عن ملاحظة سائر الأقوال التي لها دخل فيه ، فكيف إذا لم يكن كذلك؟

ويلحظ أيضا : سائر ما له تعلّق في الاستكشاف بحسب ما يعتمد عليه (٣) من تلك الأسباب ـ كما هو مقتضى الاجتهاد ـ سواء كان من الامور المعلومة أو المظنونة ، ومن الأقوال المتقدّمة على النقل أو المتأخّرة أو المقارنة.

وربما يستغني المتتبّع بما ذكر عن الرجوع إلى كلام ناقل الإجماع ؛

__________________

(١) كذا في المصدر ، والأنسب : «كان الأوّل أولى».

(٢) كذا في (ظ) و (م) ، وفي غيرهما : «فإذا».

(٣) «عليه» من المصدر.

لاستظهاره عدم مزيّة (١) عليه في التتبّع والنظر ، وربما كان الأمر بالعكس وأنّه إن تفرّد بشيء كان نادرا لا يعتدّ به.

فعليه أن يستفرغ وسعه ويتبع نظره وتتبّعه ، سواء تأخّر عن الناقل أم عاصره ، وسواء أدّى فكره إلى الموافقة له أو المخالفة ، كما هو الشأن في معرفة سائر الأدلّة وغيرها ممّا تعلّق بالمسألة ، فليس الإجماع إلاّ كأحدها.

فالمقتضي للرجوع إلى النقل هو مظنّة وصول الناقل إلى ما لم يصل هو إليه من جهة السبب ، أو احتمال ذلك ، فيعتمد عليه في هذا خاصّة بحسب ما استظهر من حاله ونقله وزمانه ، ويصلح كلامه مؤيّدا فيما عداه مع الموافقة ؛ لكشفه عن توافق النسخ وتقويته للنظر.

فإذا لوحظ جميع ما ذكر ، وعرف الموافق والمخالف إن وجد ، فليفرض المظنون منه كالمعلوم ؛ لثبوت حجّيته بالدليل العلميّ ولو بوسائط.

ثمّ لينظر : فإن حصل من ذلك استكشاف معتبر كان حجّة ظنّيّة ، حيث كان متوقّفا على النقل الغير الموجب للعلم بالسبب أو كان المنكشف غير الدليل القاطع ، وإلاّ فلا.

وإذا تعدّد ناقل الإجماع أو النقل ، فإن توافق الجميع لوحظ كلّ (٢) ما علم على ما فصّل واخذ بالحاصل ، وإن تخالف لوحظ جميع ما ذكر واخذ فيما اختلف فيه النقل بالأرجح بحسب حال الناقل ، وزمانه ،

__________________

(١) في (ظ) و (ه) : «عدم مزيّته».

(٢) في (ت) ، (ر) ، (ل) و (م) زيادة «مع» ، وشطب عليها في (ص).

ووجود المعاضد وعدمه ، وقلّته وكثرته ، ثمّ ليعمل بما هو المحصّل ، ويحكم على تقدير حجّيته بأنّه دليل واحد وإن توافق النقل وتعدّد الناقل.

وليس ما ذكرناه مختصّا بنقل الإجماع المتضمّن لنقل الأقوال إجمالا ، بل يجري في نقلها تفصيلا أيضا ، وكذا في نقل سائر الأشياء التي يبتني عليها معرفة الأحكام. والحكم فيما إذا وجد المنقول موافقا لما وجد أو مخالفا مشترك بين الجميع ، كما هو ظاهر.

وقد اتّضح بما بيّناه : وجه ما جرت عليه طريقة معظم الأصحاب : من عدم الاستدلال بالاجماع المنقول على وجه الاعتماد والاستدلال غالبا ، وردّه بعدم الثبوت أو بوجدان الخلاف ونحوهما ، فإنّه المتّجه على ما قلنا ، ولا سيّما فيما شاع فيه النزاع والجدال ، أو عرفت (١) فيه الأقوال ، أو كان من الفروع النادرة التي لا يستقيم فيها دعوى الإجماع ؛ لقلّة المتعرّض (٢) لها إلاّ على بعض الوجوه التي لا يعتدّ بها ، أو كان الناقل ممّن لا يعتدّ بنقله ؛ لمعاصرته ، أو قصور باعه ، أو غيرهما ممّا يأتي بيانه ، فالاحتياج إليه مختصّ بقليل من المسائل بالنسبة إلى قليل من العلماء ونادر من النقلة الأفاضل (٣) ، انتهى كلامه ، رفع مقامه.

الفائدة المذكورة لنقل الإجماع بحكم المعدومة

لكنّك خبير : بأنّ هذه الفائدة للإجماع المنقول كالمعدومة ؛ لأنّ القدر الثابت من الاتّفاق بإخبار الناقل ـ المستند إلى حسّه ـ ليس ممّا

__________________

(١) في (ر) و (ص) : «إذ عرفت».

(٢) في (ظ) : «التعرّض».

(٣) كشف القناع : ٤٠٠ ـ ٤٠٥.