درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۸۱: خبر واحد ۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ومن هنا يتّضح دخولها في مسائل اصول الفقه الباحثة عن أحوال الأدلّة ، ولا حاجة إلى تجشّم دعوى : أنّ البحث عن دليليّة الدليل بحث عن أحوال الدليل (١).

ثمّ اعلم : أنّ أصل وجوب العمل بالأخبار المدوّنة في الكتب المعروفة ممّا اجمع عليه في هذه الأعصار ، بل لا يبعد كونه ضروريّ المذهب.

الخلاف في الأخبار المدوّنة في مقامين

وإنّما الخلاف في مقامين :

١ ـ هل هي مقطوعة الصدور ، أم لا؟

أحدهما : كونها مقطوعة الصدور أو غير مقطوعة؟ فقد ذهب شرذمة من متأخّري الأخباريّين (٢) ـ فيما نسب إليهم ـ إلى كونها قطعيّة الصدور.

وهذا قول لا فائدة في بيانه والجواب عنه ، إلاّ التحرّز عن حصول هذا الوهم لغيرهم كما حصل لهم ؛ وإلاّ فمدّعي القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه. وقد كتبنا في سالف الزمان في ردّ هذا القول رسالة (٣) تعرّضنا فيها لجميع ما ذكروه ، وبيان ضعفها بحسب ما أدّى إليه فهمي القاصر.

٢ ـ هل هي معتبرة بالخصوص ، أم لا؟

الثاني : أنّها مع عدم قطعيّة صدورها معتبرة بالخصوص أم لا؟

__________________

(١) هذه الدعوى من صاحب الفصول في الفصول : ١٢.

(٢) منهم : صاحب الوسائل في الوسائل ١٨ : ٥٢ و ٧٥ ، والشيخ حسين الكركي في هداية الأبرار : ١٧.

(٣) الظاهر أنّ هذه الرسالة مفقودة.

فالمحكيّ عن السيّد (١) والقاضي (٢) وابن زهرة (٣) والطبرسي (٤) وابن إدريس قدّس الله أسرارهم : المنع (٥) ، وربما نسب إلى المفيد (٦) قدس‌سره ؛ حيث حكى عنه في المعارج (٧) أنّه قال : «إنّ خبر الواحد القاطع للعذر هو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالنظر إلى العلم ، وربما يكون ذلك إجماعا أو شاهدا من عقل» (٨) ، وربما ينسب إلى الشيخ ، كما سيجيء عند نقل كلامه (٩) ، وكذا إلى المحقّق ، بل إلى ابن بابويه (١٠) ، بل في الوافية : أنّه لم يجد القول بالحجّيّة صريحا ممّن تقدّم على العلاّمة (١١) ، وهو عجيب.

ما هو المعتبر منها؟

وأمّا القائلون بالاعتبار ، فهم مختلفون من جهة : أنّ المعتبر منها كلّ ما في الكتب المعتبرة (١٢) ـ كما يحكى عن بعض

__________________

(١) الذريعة ٢ : ٥٢٨ ، رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٣٠٩.

(٢) حكاه عنه صاحب المعالم في المعالم : ١٨٩.

(٣) الغنية (الجوامع الفقهية) : ٤٧٥.

(٤) مجمع البيان ٥ : ١٣٣.

(٥) السرائر ١ : ٥١.

(٦) في (ظ) و (م) : «ينسب».

(٧) المعارج : ١٨٧.

(٨) التذكرة بأصول الفقه (مصنّفات الشيخ المفيد) ٩ : ٤٤.

(٩) انظر الصفحة ٣١٩ ، وما بعدها.

(١٠) نسبه إليهم الفاضل التوني في الوافية : ١٥٨.

(١١) الوافية : ١٥٨.

(١٢) لم ترد «المعتبرة» في (ر) و (ظ) ، وشطب عليها في (ل) ، ووردت بدلها في (ر) و (ظ) : «الأربعة» ، وفي (ت) ونسخة بدل (ص) و (ه) زيادة : «الأربعة».

الأخباريّين (١) أيضا ، وتبعهم بعض المعاصرين من الاصوليّين (٢) بعد استثناء ما كان مخالفا للمشهور ـ ، أو أنّ المعتبر بعضها ، وأنّ المناط في الاعتبار عمل الأصحاب كما يظهر من كلام المحقّق (٣) ، أو عدالة الراوي ، أو وثاقته ، أو مجرّد الظنّ بصدور الرواية من غير اعتبار صفة في الراوي ، أو غير ذلك من التفصيلات (٤)(٥).

والمقصود هنا : بيان إثبات حجّيّته بالخصوص في الجملة في مقابل السلب الكلّي.

ولنذكر ـ أوّلا ـ ما يمكن أن يحتجّ به القائلون بالمنع ، ثمّ نعقّبه بذكر أدلّة الجواز ، فنقول :

__________________

(١) منهم : المحدّث العاملي في الوسائل ١٨ : ٥٢ و ٧٥ ، والمحدّث البحراني في الحدائق ١ : ٢٥ ، والشيخ حسين الكركي في هداية الأبرار : ١٧.

(٢) وهو المحقّق النراقي في المناهج : ١٦٥.

(٣) المعتبر ١ : ٢٩.

(٤) انظر تفصيل ذلك في مفاتيح الاصول : ٣٥٧ ـ ٣٧١.

(٥) في (ت) ، (ر) و (ص) زيادة : «في الأخبار» ، وشطب عليها في (م) ، وفي (ص) كتب فوقها : نسخة.

أمّا حجّة المانعين ، فالأدلّة الثلاثة :

أدلّة المانعين من الحجيّة :

أمّا الكتاب :

١ - الاستدلال بالآيات

فالآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم (١) ، والتعليل المذكور في آية النبأ (٢) على ما ذكره أمين الإسلام : من أنّ فيها دلالة على عدم جواز العمل بخبر الواحد (٣).

وأمّا السنّة :

٢ - الاستدلال بالأخبار

فهي أخبار كثيرة تدلّ على المنع من العمل بالخبر الغير المعلوم الصدور إلاّ إذا احتفّ بقرينة معتبرة من كتاب أو سنّة معلومة :

مثل : ما رواه في البحار عن بصائر الدرجات ، عن محمّد بن عيسى ، قال :

«أقرأني داود بن فرقد الفارسيّ كتابه إلى أبي الحسن الثالث عليه‌السلام وجوابه عليه‌السلام بخطّه ، فكتب : نسألك عن العلم المنقول عن آبائك وأجدادك صلوات الله عليهم أجمعين قد اختلفوا علينا فيه ، فكيف العمل به على اختلافه؟ فكتب عليه‌السلام بخطّه ـ وقرأته ـ : ما علمتم أنّه قولنا فالزموه ، وما لم تعلموه فردّوه إلينا» (٤). ومثله عن مستطرفات السرائر (٥).

__________________

(١) الإسراء : ٣٦ ، يونس : ٣٦ ، الأنعام : ١١٦.

(٢) الحجرات : ٦.

(٣) مجمع البيان ٥ : ١٣٣.

(٤) بصائر الدرجات : ٥٢٤ ، الحديث ٢٦ ، والبحار ٢ : ٢٤١ ، الحديث ٣٣.

(٥) السرائر ٣ : ٥٨٤.

والأخبار الدالّة على عدم جواز العمل بالخبر المأثور إلاّ إذا وجد له شاهد من كتاب الله أو من السنّة المعلومة ، فتدلّ على المنع عن العمل بالخبر (١) المجرّد عن القرينة :

مثل : ما ورد في غير واحد من الأخبار : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال :

«ما جاءكم عنّي لا يوافق القرآن فلم أقله» (٢).

وقول أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام : «لا يصدّق علينا إلاّ ما يوافق كتاب الله وسنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله» (٣).

وقوله عليه‌السلام : «إذا جاءكم حديث عنّا فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به ، وإلاّ فقفوا عنده ، ثم ردّوه إلينا حتّى نبيّن لكم» (٤).

ورواية ابن أبي يعفور قال : «سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن اختلاف الحديث ، يرويه من نثق به ومن لا نثق به؟ قال : إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فخذوا به ، وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به» (٥).

__________________

(١) في (ت) و (ه) زيادة : «الواحد».

(٢) الوسائل ١٨ : ٧٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٥ ، وفيه بدل «لا يوافق القرآن» : «يخالف كتاب الله».

(٣) الوسائل ١٨ : ٨٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٧ ، وفيه بدل «لا يصدّق» : «لا تصدّق».

(٤) الوسائل ١٨ : ٨٠ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٨. وفيه : «حتّى يستبين».

(٥) الوسائل ١٨ : ٧٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١١.

وقوله عليه‌السلام لمحمّد بن مسلم : «ما جاءك من رواية ـ من برّ أو فاجر ـ يوافق كتاب الله فخذ به ، وما جاءك من رواية ـ من برّ أو فاجر ـ يخالف كتاب الله فلا تأخذ به» (١).

وقوله عليه‌السلام : «ما جاءكم من حديث لا يصدّقه كتاب الله فهو باطل» (٢).

وقول أبي جعفر عليه‌السلام : «ما جاءكم عنّا فإن وجدتموه موافقا للقرآن فخذوا به ، وإن لم تجدوه موافقا فردّوه ، وإن اشتبه الأمر عندكم فقفوا عنده وردّوه إلينا حتّى نشرح من ذلك ما شرح لنا» (٣).

وقول الصادق عليه‌السلام : «كلّ شيء مردود إلى كتاب الله والسنّة ، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» (٤).

وصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «لا تقبلوا علينا حديثا إلاّ ما وافق الكتاب والسنّة ، أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدّمة ؛ فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي ، فاتّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا وسنّة نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله» (٥).

__________________

(١) مستدرك الوسائل ١٧ : ٣٠٤ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥.

(٢) مستدرك الوسائل ١٧ : ٣٠٤ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٧. وفيه : «ما أتاكم».

(٣) الوسائل ١٨ : ٨٦ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٧.

(٤) الوسائل ١٨ : ٧٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٤.

(٥) البحار ٢ : ٢٥٠ ، الحديث ٦٢.

والأخبار الواردة في طرح الأخبار المخالفة للكتاب والسنّة ولو مع عدم المعارض متواترة جدّا.

وجه الاستدلال بالأخبار :

وجه الاستدلال بها :

أنّ من الواضحات : أنّ الأخبار الواردة عنهم صلوات الله عليهم في مخالفة ظواهر الكتاب والسنّة في غاية الكثرة ، والمراد من المخالفة للكتاب في تلك الأخبار ـ الناهية عن الأخذ بمخالف (١) الكتاب والسنّة ـ ليس هي المخالفة على وجه التباين الكلّي بحيث يتعذّر أو يتعسّر الجمع ؛ إذ لا يصدر من الكذّابين عليهم ما يباين الكتاب والسنّة كليّة ؛ إذ لا يصدّقهم أحد في ذلك ، فما كان يصدر عن الكذّابين (٢) من الكذب لم يكن إلاّ نظير ما كان يرد من الأئمّة صلوات الله عليهم في مخالفة ظواهر الكتاب والسنّة ، فليس المقصود من عرض ما يرد من الحديث على الكتاب والسنّة إلاّ عرض ما كان منها غير معلوم الصدور عنهم ، وأنّه إن وجد له قرينة وشاهد معتمد فهو ، وإلاّ فليتوقّف فيه ؛ لعدم إفادته العلم بنفسه ، وعدم اعتضاده بقرينة معتبرة.

ثمّ إنّ عدم ذكر الإجماع ودليل العقل من جملة قرائن الخبر في هذه الروايات ـ كما فعله الشيخ في العدّة (٣) ـ لأنّ مرجعهما إلى الكتاب والسنّة ، كما يظهر بالتأمّل.

ويشير إلى ما ذكرنا ـ من أنّ المقصود من عرض الخبر على

__________________

(١) في غير (م) : «بمخالفة».

(٢) في (ت) و (ه) زيادة : «عليهم».

(٣) العدّة ١ : ١٤٣ و ١٤٥.

الكتاب والسنّة هو في غير معلوم الصدور ـ : تعليل العرض في بعض الأخبار بوجود الأخبار المكذوبة في أخبار الإماميّة.

وأمّا الإجماع :

٣ - الاستدلال بالإجماع

فقد ادّعاه السيّد المرتضى قدس‌سره في مواضع من كلامه ، وجعله في بعضها بمنزلة القياس في كون ترك العمل به معروفا من مذهب الشيعة (١).

وقد اعترف بذلك الشيخ على ما يأتي في كلامه (٢) ، إلاّ أنّه أوّل معقد الإجماع بإرادة الأخبار التي يرويها المخالفون.

وهو ظاهر المحكيّ عن الطبرسيّ في مجمع البيان ، قال : لا يجوز العمل بالظنّ عند الإماميّة إلاّ في شهادة العدلين وقيم المتلفات واروش الجنايات (٣) ، انتهى (٤).

والجواب :

الجواب عن الاستدلال بالآيات

أمّا عن الآيات ، فبأنّها ـ بعد تسليم دلالتها ـ عمومات مخصّصة بما سيجيء من الأدلّة.

الجواب عن الاستدلال بالأخبار

وأمّا عن الأخبار :

فعن الرواية الاولى ، فبأنّها خبر واحد لا يجوز الاستدلال بها على المنع عن الخبر الواحد.

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢٤ ، و ٣ : ٣٠٩.

(٢) انظر الصفحة ٣١٣.

(٣) مجمع البيان ٤ : ٥٧ ، ذيل آية ٧٩ من سورة الأنبياء.

(٤) لم ترد «انتهى» في (ت) ، (ر) و (ه).