درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۸۸: خبر واحد ۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

تخصيص العامّ بمفهوم المخالفة ؛ لاختصاص ذلك ـ أوّلا ـ بالمخصّص المنفصل ، ولو سلّم جريانه في الكلام الواحد منعناه في العلّة والمعلول ؛ فإنّ الظاهر عند العرف أنّ المعلول يتبع العلّة في العموم والخصوص.

فالعلّة تارة تخصّص مورد المعلول وإن كان عامّا بحسب اللفظ ، كما في قول القائل : «لا تأكل الرمّان ؛ لأنّه حامض» ، فيخصّصه بالأفراد الحامضة ، فيكون عدم التقييد في الرمّان لغلبة (١) الحموضة فيه.

وقد توجب عموم المعلول وإن كان بحسب الدلالة اللفظيّة خاصّا ، كما في قول القائل : «لا تشرب الأدوية التي تصفها لك النسوان» ، أو «إذا وصفت لك امرأة دواء فلا تشربه ؛ لأنّك لا تأمن ضرره» ، فيدلّ على أنّ الحكم عامّ في كلّ دواء لا يؤمن ضرره من أيّ واصف كان ، ويكون تخصيص النسوان بالذكر من بين الجهّال لنكتة خاصّة أو عامّة لاحظها المتكلّم.

وما نحن فيه من هذا القبيل ، فلعلّ النكتة فيه التنبيه على فسق الوليد ، كما نبّه عليه في المعارج (٢).

وهذا الإيراد مبنيّ على أنّ المراد بالتبيّن هو التبيّن العلميّ كما هو مقتضى اشتقاقه.

ويمكن أن يقال : إنّ المراد منه ما يعمّ الظهور العرفيّ الحاصل من الاطمئنان الذي هو مقابل الجهالة ، وهذا وإن كان يدفع الإيراد المذكور عن المفهوم ؛ من حيث رجوع الفرق بين الفاسق والعادل في وجوب

__________________

(١) في (ظ) ، (ص) ، (ل) و (م) : «لعلّة».

(٢) معارج الاصول : ١٤٦.

التبيّن إلى : أنّ العادل الواقعيّ يحصل منه غالبا الاطمئنان المذكور بخلاف الفاسق ؛ فلهذا وجب فيه تحصيل هذا (١) الاطمئنان من الخارج ، لكنّك خبير بأنّ الاستدلال بالمفهوم على حجّية خبر العادل المفيد للاطمئنان غير محتاج إليه ؛ إذ المنطوق على هذا التقرير (٢) يدلّ على حجّية كلّ ما يفيد الاطمئنان كما لا يخفى ، فيثبت اعتبار مرتبة خاصّة من مطلق الظنّ (٣).

ما اجيب به عن إيراد تعارض المفهوم والتعليل

ثمّ إنّ المحكي عن بعض (٤) : منع دلالة التعليل على عدم جواز الإقدام على ما هو مخالف للواقع ؛ بأنّ المراد بالجهالة السفاهة وفعل ما لا يجوز فعله ، لا مقابل العلم ؛ بدليل قوله تعالى : ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾(٥) ؛ ولو كان المراد الغلط في الاعتقاد لما جاز الاعتماد على الشهادة والفتوى.

المناقشة في هذا الجواب

وفيه ـ مضافا إلى كونه خلاف ظاهر لفظ «الجهالة» ـ : أنّ الإقدام على مقتضى قول الوليد لم يكن سفاهة قطعا ؛ إذ العاقل بل جماعة من العقلاء لا يقدمون على الامور من دون وثوق بخبر المخبر بها ؛ فالآية تدلّ على المنع عن العمل بغير العلم لعلّة : هي كونه في معرض المخالفة للواقع.

__________________

(١) لم ترد «هذا» في (ر) و (ص).

(٢) في (ظ) و (م) : «التقدير».

(٣) لم ترد «فيثبت ـ إلى ـ مطلق الظنّ» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٤) حكاه ابن التلمساني عن القاضي ، انظر مفاتيح الاصول : ٣٥٦.

(٥) الحجرات : ٦.

وأمّا جواز الاعتماد على الفتوى والشهادة ، فلا يجوز القياس به (١) ؛ لما تقدّم في توجيه كلام ابن قبة : من أنّ الاقدام على ما فيه مخالفة الواقع أحيانا قد يحسن ؛ لأجل الاضطرار إليه وعدم وجود الأقرب إلى الواقع منه كما في الفتوى ، وقد يكون لأجل مصلحة تزيد على مصلحة إدراك الواقع ، فراجع (٢).

الأولى في التخلّص عن هذا الإيراد

فالأولى لمن يريد التفصّي عن هذا الإيراد : التشبّث بما ذكرنا ، من أنّ المراد ب «التبيّن» تحصيل الاطمئنان ، وب «الجهالة» : الشكّ أو الظنّ الابتدائيّ الزائل بعد الدقّة والتأمّل ، فتأمّل.

وفيها (٣) إرشاد إلى عدم جواز مقايسة الفاسق بغيره وإن حصل منهما الاطمئنان ؛ لأنّ (٤) الاطمئنان الحاصل من الفاسق يزول بالالتفات إلى فسقه وعدم مبالاته بالمعصية وإن كان متحرّزا عن الكذب.

الإيرادات القابلة للدفع

ومنه يظهر الجواب عمّا ربما يقال : من أنّ العاقل لا يقبل الخبر من دون اطمئنان بمضمونه ـ عادلا كان المخبر أو فاسقا ـ ، فلا وجه للأمر بتحصيل الاطمئنان في الفاسق.

١ - تعارض مفهوم الآية مع الآيات الناهية عن العمل بغير العلم

وأمّا ما اورد على الآية بما (٥) هو قابل للذبّ عنه فكثير :

منها : معارضة مفهوم الآية بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم ،

__________________

(١) في (ظ) و (م) : «بهما» ، وفي (ر) ، (ص) و (ل) : «بها».

(٢) راجع الصفحة ١٠٨ ـ ١١٠.

(٣) في (ت) ، (ظ) و (ل) : «ففيها».

(٤) كذا في (ه) ، وفي غيرها : «إلاّ أنّ».

(٥) في (ت) ، (ظ) و (م) بدل «بما» : «ممّا».