درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۹۷: خبر واحد ۱۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الثاني : أنّه إذا وجب الإنذار ثبت وجوب القبول ؛ وإلاّ لغى الإنذار.

ونظير ذلك : ما تمسّك به في المسالك على وجوب قبول قول المرأة وتصديقها في العدّة ، من قوله تعالى : ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ﴾(١) ، فاستدلّ بتحريم الكتمان ووجوب الإظهار عليهنّ ، على قبول قولهنّ بالنسبة إلى ما في الأرحام (٢).

فإن قلت : المراد بالنفر النفر إلى الجهاد ، كما يظهر من صدر الآية وهو قوله تعالى : ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ،﴾ ومن المعلوم أنّ النفر إلى الجهاد ليس للتفقّه والإنذار.

نعم ربما يترتّبان عليه ، بناء على ما قيل (٣) : من أنّ المراد حصول البصيرة في الدين من مشاهدة آيات الله وظهور أوليائه على أعدائه وسائر ما يتّفق في حرب المسلمين مع الكفّار من آيات عظمة الله وحكمته ، فيخبروا بذلك عند رجوعهم (٤) الفرقة المتخلّفة الباقية في المدينة ؛ فالتفقّه والإنذار من قبيل الفائدة ، لا الغاية حتّى تجب بوجوب ذيها.

قلت :

__________________

(١) البقرة : ٢٢٨.

(٢) المسالك ٩ : ١٩٤.

(٣) قاله الحسن وأبو مسلم ، انظر تفسير التبيان ٥ : ٣٢١ ، ومجمع البيان ٣ : ٨٣ ـ ٨٤.

(٤) في (ر) ، (ص) و (ه) زيادة : «إلى» ، وشطب عليه في (ت).

أوّلا : إنّه ليس في صدر الآية دلالة على أنّ المراد النفر إلى الجهاد ، وذكر الآية في آيات الجهاد لا يدلّ على ذلك.

وثانيا : لو سلّم أنّ المراد النفر إلى الجهاد ، لكن لا يتعيّن أن يكون النفر من كلّ قوم طائفة لأجل مجرّد الجهاد ؛ بل لو كان لمحض الجهاد لم يتعيّن أن ينفر من كلّ قوم طائفة ، فيمكن أن يكون التفقّه غاية لإيجاب النفر على طائفة من كلّ قوم ، لا لإيجاب أصل النفر.

ظهور الآية في وجوب التفقّه والإنذار

وثالثا : إنّه قد فسّر الآية بأنّ المراد نهي المؤمنين عن نفر جميعهم إلى الجهاد (١) ؛ كما يظهر من قوله : ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾(٢) ، وأمر بعضهم بأن يتخلّفوا عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا يخلّوه وحده ، فيتعلّموا مسائل حلالهم وحرامهم حتّى ينذروا قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم.

ظهور الآية في وجوب التفقّه والإنذار

والحاصل : أنّ ظهور الآية في وجوب التفقّه والإنذار ممّا لا ينكر ، فلا محيص عن حمل الآية عليه وإن لزم مخالفة الظاهر في سياق الآية أو بعض ألفاظها.

الأخبار التي استشهد فيها الإمام عليه‌السلام بآية «النفر» على وجوب التفقّه

وممّا يدلّ على ظهور الآية في وجوب التفقّه والإنذار : استشهاد الإمام بها على وجوبه في أخبار كثيرة.

منها : ما عن الفضل بن شاذان في علله ، عن الرضا عليه‌السلام في حديث ، قال :

__________________

(١) فسّره بذلك الشيخ الطبرسي في مجمع البيان ٣ : ٨٣.

(٢) التوبة : ١٢٢.

«إنّما امروا بالحجّ ؛ لعلّة الوفادة إلى الله ، وطلب الزيادة ، والخروج عن كلّ ما اقترف العبد» ـ إلى ـ أن قال ـ : «ولأجل (١) ما فيه من التفقّه ونقل أخبار الأئمّة عليهم‌السلام إلى كلّ صقع وناحية ؛ كما قال الله عزّ وجلّ : ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ...﴾ الآية» (٢).

ومنها : ما ذكره في ديباجة المعالم (٣) : من رواية عليّ بن أبي حمزة ، قال :

«سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : تفقّهوا في الدّين ؛ فإنّه من لم يتفقّه منكم في الدين فهو أعرابيّ ؛ إنّ الله عزّ وجلّ يقول : ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾» (٤).

ومنها : ما رواه في الكافي ـ في باب ما يجب على الناس عند مضيّ الإمام عليه‌السلام ـ من صحيحة يعقوب بن شعيب ، قال :

«قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إذا حدث على الإمام حدث كيف يصنع الناس؟ قال : أين قول الله عزّ وجلّ : ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ ...﴾؟ قال : هم في عذر ما داموا في الطلب ، وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عذر حتّى يرجع إليهم أصحابهم» (٥).

ومنها : صحيحة عبد الأعلى ، قال :

__________________

(١) لم ترد «ولأجل» في (ظ) و (م).

(٢) الوسائل ١٨ : ٦٩ ، الباب ٨ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦٥.

(٣) معالم الاصول : ٢٥.

(٤) الكافي ١ : ٣١ ، باب فرض العلم ، الحديث ٦.

(٥) الكافي ١ : ٣٧٨ ، الحديث ١.

«سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قول العامّة : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من مات وليس له إمام مات ميتة جاهليّة؟ قال : حقّ والله ، قلت : فإنّ إماما هلك ، ورجل بخراسان لا يعلم من وصيّه ، لم يسعه ذلك؟ قال : لا يسعه ؛ إنّ الإمام إذا مات وقعت (١) حجّة وصيّه على من هو معه في البلد ، وحقّ النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم ؛ إنّ الله عزّ وجلّ يقول : ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ...﴾ الآية» (٢).

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، وفيها : «قلت : أفيسع الناس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الذي بعده؟ فقال : أمّا أهل هذه البلدة فلا ـ يعني أهل المدينة ـ وأمّا غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم ؛ إنّ الله عزّ وجلّ يقول : ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾» (٣).

ومنها : صحيحة البزنطيّ المرويّة في قرب الإسناد ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام (٤).

ومنها : رواية عبد المؤمن الأنصاريّ الواردة في جواب من سأل عن قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «اختلاف امّتي رحمة» ، قال : «إذا كان اختلافهم رحمة

__________________

(١) كذا في الكافي ، وفي (ص) ، (ظ) ، (ل) ، (م) و (ه) : «دفعت» ، وفي (ت) و (ر) : «رفعت».

(٢) الكافي ١ : ٣٧٨ ، باب ما يجب على الناس عند مضيّ الإمام ، الحديث ٢.

(٣) الكافي ١ : ٣٨٠ ، باب ما يجب على الناس عند مضيّ الإمام ، ضمن الحديث ٣.

(٤) قرب الإسناد : ٣٤٨ ـ ٣٥٠ ، الحديث ١٢٦٠.

فاتّفاقهم عذاب؟! ليس هذا يراد ، إنّما يراد الاختلاف في طلب العلم ، على ما قال الله عزّ وجلّ : ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾» (١) ، الحديث منقول بالمعنى ولا يحضرني ألفاظه.

وجميع هذا هو السرّ في استدلال أصحابنا بالآية الشريفة على وجوب تحصيل العلم وكونه كفائيّا.

هذا غاية ما قيل أو يقال في توجيه الاستدلال بالآية الشريفة.

المناقشة في الاستدلال بهذه الآية من وجوه

لكنّ الإنصاف : عدم جواز الاستدلال بها من وجوه :

الأوّل : أنّه لا يستفاد من الكلام إلاّ مطلوبيّة الحذر عقيب الإنذار بما يتفقّهون في الجملة ، لكن ليس فيها إطلاق وجوب الحذر ، بل يمكن أن يتوقّف وجوبه على حصول العلم ، فالمعنى : لعلّه يحصل لهم العلم فيحذروا ، فالآية مسوقة لبيان مطلوبيّة الإنذار بما يتفقّهون ، ومطلوبيّة العمل من المنذرين بما انذروا ، وهذا لا ينافي اعتبار العلم في العمل ؛ ولهذا صحّ ذلك فيما يطلب فيه العلم.

فليس في هذه الآية تخصيص للأدلّة الناهية عن العمل بما لم يعلم ؛ ولذا استشهد الإمام ـ فيما سمعت من الأخبار المتقدّمة (٢) ـ على وجوب النفر في معرفة الإمام عليه‌السلام وإنذار النافرين للمتخلّفين ، مع أنّ الإمامة لا تثبت إلاّ بالعلم.

الثاني : أنّ التفقّه الواجب ليس إلاّ معرفة الامور الواقعيّة من الدين ، فالإنذار الواجب هو الإنذار بهذه الامور المتفقّه فيها ، فالحذر

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ١٠١ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٠.

(٢) في نفس هذه الصفحة والصفحتين السابقتين.