درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۰۰: خبر واحد ۲۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الحذر عقيب إنذارهم ، فإطلاق الرواية منزّل على الغالب.

الآية الثالثة : آية «الكتمان»

ومن جملة الآيات التي استدلّ بها جماعة (١) ـ تبعا للشيخ في العدّة (٢) ـ على حجّيّة الخبر ، قوله تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾(٣).

وجه الاستدلال بها

والتقريب فيه : نظير ما بيّناه في آية النفر : من أنّ حرمة الكتمان تستلزم وجوب القبول عند الإظهار.

المناقشة في الاستدلال

ويرد عليها (٤) : ما ذكرنا من الإيرادين الأوّلين في آية النفر ، من سكوتها وعدم التعرّض فيها لوجوب القبول وإن لم يحصل العلم عقيب الاظهار ، أو اختصاص وجوب القبول المستفاد منها بالأمر الذي يحرم كتمانه ويجب إظهاره ؛ فإنّ من أمر غيره بإظهار الحقّ للناس ليس مقصوده إلاّ عمل الناس بالحقّ ، ولا يريد بمثل هذا الخطاب تأسيس حجّيّة قول المظهر تعبّدا ووجوب العمل بقوله وإن لم يطابق الحقّ.

ويشهد لما ذكرنا : أنّ مورد الآية كتمان اليهود لعلامات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما بيّن الله لهم ذلك في التوراة (٥) ، ومعلوم أنّ آيات (٦) النبوّة

__________________

(١) منهم : المحقّق القمّي في القوانين ١ : ٤٣٨ ، وصاحب الفصول في الفصول : ٢٧٦.

(٢) انظر العدّة ١ : ١١٣.

(٣) البقرة : ١٥٩.

(٤) في نسخة بدل (ل) : «عليه».

(٥) انظر مجمع البيان ١ : ٢٤١.

(٦) لم ترد «آيات» في (ظ).

لا يكتفى فيها بالظنّ.

نعم ، لو وجب الإظهار على من لا يفيد قوله العلم غالبا أمكن جعل ذلك دليلا على أنّ المقصود العمل بقوله وإن لم يفد العلم ؛ لئلاّ يكون إلقاء هذا الكلام كاللغو.

ومن هنا يمكن الاستدلال بما تقدّم (١) : من آية تحريم كتمان ما في الأرحام على النساء على وجوب تصديقهنّ ، وبآية وجوب إقامة الشهادة (٢) على وجوب قبولها بعد الإقامة.

مع إمكان كون وجوب الإظهار لأجل رجاء وضوح الحقّ من تعدّد المظهرين.

الآية الرابعة : آية «السؤال من أهل الذكر»

ومن جملة الآيات التي استدلّ بها بعض المعاصرين (٣) ، قوله تعالى : ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾(٤).

وجه الاستدلال بها

بناء على أنّ وجوب السؤال يستلزم وجوب قبول الجواب ؛ وإلاّ لغى وجوب السؤال ، وإذا وجب قبول الجواب وجب قبول كلّ ما يصحّ أن يسأل عنه ويقع جوابا له ؛ لأنّ خصوصيّة المسبوقيّة بالسؤال لا دخل فيه قطعا ، فإذا سئل الراوي الذي هو من أهل العلم عمّا سمعه عن الإمام عليه‌السلام في خصوص الواقعة ، فأجاب بأنّي سمعته يقول كذا ، وجب القبول بحكم الآية ، فيجب قبول قوله ابتداء : إنّي سمعت الإمام عليه‌السلام

__________________

(١) راجع الصفحة ٢٧٨.

(٢) البقرة : ٢٨٢.

(٣) هو صاحب الفصول في الفصول : ٢٧٦.

(٤) النحل : ٤٣ ، الأنبياء : ٧.

يقول كذا ؛ لأنّ حجّيّة قوله هو الذي أوجب السؤال عنه ، لا أنّ وجوب السؤال أوجب قبول قوله ، كما لا يخفى.

المناقشة في الاستدلال

ويرد عليه :

أوّلا (١) : أنّ الاستدلال إن كان بظاهر الآية ، فظاهرها بمقتضى السياق إرادة علماء أهل الكتاب ، كما عن ابن عباس ومجاهد (٢) والحسن وقتادة (٣) ؛ فإنّ المذكور في سورة النحل : ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ،﴾ وفي سورة الأنبياء : ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.﴾

من هم أهل الذكر؟

وإن كان مع قطع النظر عن سياقها ، ففيه : (٤) أنّه ورد في الأخبار المستفيضة : أنّ أهل الذكر هم الأئمّة عليهم‌السلام ، وقد عقد في اصول الكافي بابا لذلك (٥) ، وأرسله في المجمع عن عليّ عليه‌السلام (٦).

وردّ بعض مشايخنا (٧) هذه الأخبار بضعف السند ؛ بناء على اشتراك بعض الرواة في بعضها وضعف بعضها في الباقي.

__________________

(١) لم ترد «أوّلا» في (ت) ، (ظ) و (ه).

(٢) مجمع البيان ٣ : ٣٦٢.

(٣) مجمع البيان ٤ : ٤٠.

(٤) في جميع النسخ زيادة : «أوّلا» ، ولكن شطب عليها في (ص) و (ل).

(٥) الكافي ١ : ٢١٠.

(٦) مجمع البيان ٤ : ٤٠.

(٧) هو السيد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٥٩٧.

وفيه نظر ؛ لأنّ روايتين منها صحيحتان ، وهما روايتا محمّد بن مسلم والوشّاء (١) ، فلاحظ ، ورواية أبي بكر الحضرميّ (٢) حسنة أو موثّقة. نعم ثلاث روايات أخر منها (٣) لا تخلو من ضعف ، ولا تقدح قطعا.

وثانيا : أنّ الظاهر من وجوب السؤال عند عدم العلم وجوب تحصيل العلم ، لا وجوب السؤال للعمل بالجواب تعبّدا ، كما يقال في العرف : سل إن كنت جاهلا.

ويؤيّده : أنّ الآية واردة في اصول الدين وعلامات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله التي لا يؤخذ فيها بالتعبّد إجماعا.

وثالثا : لو سلّم حمله على إرادة وجوب السؤال للتعبّد بالجواب لا لحصول العلم منه ، قلنا : إنّ المراد من أهل العلم ليس مطلق من علم ولو بسماع رواية من الإمام عليه‌السلام ؛ وإلاّ لدلّ على حجّيّة قول كلّ عالم بشيء ولو من طريق السمع والبصر ، مع أنّه يصحّ سلب هذا العنوان عن (٤) مطلق من أحسّ شيئا بسمعه أو بصره ، والمتبادر من وجوب سؤال أهل العلم ـ بناء على إرادة التعبّد بجوابهم ـ هو سؤالهم عمّا هم عالمون به ويعدّون من أهل العلم في مثله ، فينحصر مدلول الآية في التقليد ؛

استدلال جماعة بالآية على وجوب التقليد

ولذا تمسّك به جماعة (٥) على وجوب التقليد على العامّي.

__________________

(١) الكافي ١ : ٢١٠ ـ ٢١١ ، باب أنّ أهل الذكر هم الأئمّة عليهم‌السلام ، الحديث ٧ و ٣.

(٢) المصدر المتقدّم ، الحديث ٦.

(٣) المصدر المتقدّم ، الأحاديث ١ ، ٢ و ٨.

(٤) في (ت) ، (ر) ، (ل) و (ه) : «من».

(٥) منهم : الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ٣١٩ ، والمحقّق القمّي في القوانين ٢ : ١٥٥ ، وصاحب الفصول في الفصول : ٤١١.