درس مکاسب - بیع فضولی

جلسه ۲: بیع فضولی ۲

 

لأنّ العاقد لا يصير مالكاً للتصرّف ومسلّطاً عليه بمجرّد علمه برضا المالك.

ويؤيّده : اشتراطهم في لزوم العقد كون العاقد مالكاً أو مأذوناً أو وليّاً ، وفرّعوا عليه بيع الفضولي.

ويؤيّده أيضاً ـ : استدلالهم على صحّة الفضولي بحديث عروة البارقي (١) مع أنّ الظاهر علمه برضا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما يفعله. وإن كان الذي يقوى في النفس لولا خروجه عن ظاهر الأصحاب عدم توقّفه على الإجازة اللاحقة ، بل يكفي فيه رضا المالك المقرون بالعقد ، سواء علم به العاقد ، أو انكشف بعد العقد حصوله حينه ، أو لم ينكشف أصلاً ؛ فيجب على المالك فيما بينه وبين الله تعالى إمضاء ما رضي به وترتيب (٢) الآثار عليه ؛ لعموم وجوب الوفاء بالعقود (٣) ، وقوله تعالى ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ (٤) ، و «لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلاّ عن طيب نفسه» (٥) ، وما دلّ على أنّ علم المولى بنكاح العبد وسكوته إقرار منه (٦) ، ورواية عروة البارقي الآتية (٧) ، حيث أقبض المبيع وقبض‌

__________________

(١) عوالي اللآلي ٣ : ٢٠٥ ، الحديث ٣٦ ، ومستدرك الوسائل ١٣ : ٢٤٥ ، الباب ١٨ من أبواب عقد البيع وشروطه.

(٢) كذا في «ف» ومصحّحة «ن» و «خ» ، وفي «ش» : بترتيب ، وفي سائر النسخ : يترتّب.

(٣) في قوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، المائدة : ١.

(٤) النساء : ٢٩.

(٥) عوالي اللآلي ٢ : ١١٣ ، الحديث ٣٠٩.

(٦) راجع الوسائل ١٤ : ٥٢٥ ، الباب ٢٦ من أبواب نكاح العبيد والإماء.

(٧) في الصفحة ٣٥١.

الدينار ؛ لعلمه برضا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولو كان فضولياً موقوفاً على الإجازة لم يجز التصرّف في المعوّض والعوض بالقبض والإقباض ، وتقريرُ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له على ما فعل دليلٌ على جوازه.

هذا ، مع أنّ كلمات الأصحاب في بعض المقامات يظهر منها (١) خروج هذا الفرض عن الفضولي وعدم وقوفه على الإجازة ، مثل قولهم في الاستدلال على الصحّة : إنّ الشرائط كلّها حاصلة إلاّ رضا المالك ، وقولهم : إنّ الإجازة لا يكفي فيها السكوت ؛ لأنّه أعمّ من الرضا ، ونحو ذلك.

ثمّ لو سلّم كونه فضولياً ، لكن ليس كلّ فضوليّ يتوقّف لزومه على الإجازة ؛ لأنّه (٢) لا دليل على توقّفه مطلقاً على الإجازة اللاحقة ، كما هو أحد الاحتمالات في مَن باع ملك غيره ثمّ ملكه.

مع أنّه يمكن الاكتفاء في الإجازة بالرضا الحاصل بعد البيع المذكور آناً ما ؛ إذ وقوعه برضاه لا ينفكّ عن ذلك مع الالتفات.

ثمّ إنّه لو أشكل في عقود غير المالك ، فلا ينبغي الإشكال في عقد العبد نكاحاً أو بيعاً مع العلم برضا السيّد ولو لم يأذن له ؛ لعدم تحقّق المعصية التي هي مناط المنع في الأخبار ، وعدم منافاته لعدم استقلال العبد في التصرّف.

صور بيع الفضولي

ثمّ اعلم : أنّ الفضولي قد يبيع للمالك ، وقد يبيع لنفسه ، وعلى الأوّل فقد لا يسبقه منع من المالك ، وقد يسبقه المنع ؛ فهنا مسائل ثلاث‌

__________________

(١) كذا في «ص» وهامش «خ» ، وفي سائر النسخ : منه.

(٢) في «ف» : ولأنه.

الاولى

بیع الفضولي للمالك مع عدم سبق المنع المشهور الصحّة

أن يبيع للمالك مع عدم سبق منعٍ من المالك ، وهذا هو المتيقّن من عقد الفضولي.

والمشهور : الصحّة‌ ، بل في التذكرة نسبه إلى علمائنا ، تارة صريحاً ، وأُخرى ظاهراً بقوله : «عندنا» ، إلاّ أنّه ذكر عقيب ذلك : أنّ لنا فيه قولاً بالبطلان (١).

وفي غاية المراد (٢) : حكى الصحّة عن العماني والمفيد (٣) والمرتضى (٤) والشيخ في النهاية (٥) وسلاّر (٦) والحلبي (٧) والقاضي (٨) وابن حمزة (٩). وحكي عن الإسكافي (١٠) ، واستقرّ عليه رأي مَن‌

__________________

(١) تعرّض للفضولي في موضعين من التذكرة حسب ما تتبّعناه ، ولم نعثر على نسبة ذلك إلى علمائنا ، انظر التذكرة ١ : ٤٦٢ و ٤٨٦.

(٢) غاية المراد : ١٧٨.

(٣) راجع المقنعة : ٦٠٦.

(٤) راجع الناصريّات (الجوامع الفقهية) : ٢٤٧ ، المسألة ١٥٤.

(٥) انظر النهاية : ٣٨٥.

(٦) المراسم : ١٥٠.

(٧) الكافي في الفقه : ٢٩٢.

(٨) المهذّب ٢ : ١٩٤ ١٩٥ ، ٢١٦.

(٩) الوسيلة : ٢٤٩.

(١٠) حكاه العلاّمة في المختلف ٥ : ٥٣ ، وولده في الإيضاح ١ : ٤١٦ ، وابن فهد في المقتصر : ١٦٦.

مقتضى العمومات الصحّة

تأخّر (١) عدا فخر الدين (٢) وبعض متأخّري المتأخّرين ، كالأردبيلي (٣) والسيّد الداماد (٤) وبعض متأخّري المحدّثين (٥) ؛ لعموم أدلّة البيع والعقود ؛ لأنّ خلوّه عن إذن المالك لا يوجب سلب اسم العقد والبيع عنه ، واشتراط ترتّب الأثر بالرضا وتوقّفه عليه أيضاً لا مجال لإنكاره ، فلم يبقَ الكلام إلاّ في اشتراط سبق الإذن ، وحيث لا دليل عليه فمقتضى الإطلاقات عدمه ، ومرجع ذلك كلّه إلى عموم «حِلّ البيع» و «وجوب الوفاء بالعقد» ، خرج منه العاري عن الإذن والإجازة معاً ، ولم يعلم خروج ما فقد الإذن ولحقه الإجارة.

وإلى ما ذكرنا يرجع استدلالهم : بأنّه عقد صدر عن أهله في محلّه (٦).

فما ذكره في غاية المراد : من أنّه من باب المصادرات (٧) ، لم أتحقّق وجهه ؛ لأنّ كون العاقد أهلاً للعقد من حيث إنّه بالغ عاقل لا كلام‌

__________________

(١) مثل المحقّق في الشرائع ٢ : ١٤ وغيره ، وابن سعيد الحليّ في الجامع للشرائع : ٢٤٦ ، والعلاّمة في كتبه وتقدّم آنفاً عن التذكرة والشهيد في الدروس ٣ : ١٩٢ وغيره.

(٢) الإيضاح ١ : ٤١٧.

(٣) مجمع الفائدة ٨ : ١٥٨ ، وزبدة البيان : ٤٢٨.

(٤) انظر ضوابط الرضاع (كلمات المحقّقين) : ٥٦.

(٥) وهو المحدّث البحراني في الحدائق ١٨ : ٣٧٨.

(٦) كما في المختلف ٥ : ٥٤ ، والرياض ١ : ٥١٢ ، وانظر المهذّب البارع ٢ : ٣٥٦ ، والمناهل : ٢٨٧.

(٧) غاية المراد : ١٧٨.