درس مکاسب - بیع فضولی

جلسه ۵: بیع فضولی ۵

 

والحاصل : أنّ مناط الاستدلال لو كان نفس القضيّة الشخصيّة من جهة اشتمالها على تصحيح بيع الفضولي بالإجازة بناءً على قاعدة اشتراك جميع القضايا المتّحدة نوعاً في الحكم الشرعي كان ظهورها في كون الإجازة الشخصيّة في تلك القضيّة مسبوقة بالردّ مانعاً عن الاستدلال بها ، موجباً للاقتصار على موردها ؛ لوجهٍ عَلِمه الإمام عليه‌السلام ، مثل : كون مالك الوليدة كاذباً في دعوى عدم الإذن للولد ، فاحتال عليه‌السلام حيلة يصل بها الحقّ إلى صاحبه.

توجيه الاستدلال بصحيحة محمد بن قيس

أمّا لو كان مناط الاستدلال ظهور سياق كلام الأمير عليه‌السلام في قوله : «خذ ابنه حتّى ينفذ لك البيع» ، وقول الباقر عليه‌السلام في مقام الحكاية : «فلمّا رأى ذلك سيّد الوليدة أجاز بيع ابنه» في أنّ للمالك أن يجيز العقد الواقع على ملكه وينفذه ، لم يقدح في ذلك ظهور الإجازة الشخصيّة في وقوعها بعد الردّ ، فيؤوّل ما يظهر منه الردّ بإرادة عدم الجزم بالإجازة والردّ ، أو كون حبس الوليدة على الثمن ، أو نحو ذلك.

وكأنّه قد اشتبه مناط الاستدلال على مَن لم يستدلّ بها في مسألة الفضولي ، أو يكون الوجه في الإغماض عنها ضعف الدلالة المذكورة ، فإنّها لا تزيد على الإشعار ؛ ولذا لم يذكرها في الدروس في مسألة الفضولي ، بل ذكرها في موضع آخر (١) ، لكنّ الفقيه في غنى عنه (٢) بعد العمومات المتقدّمة.

__________________

(١) ذكرها في بيع الحيوان كما تقدّم التخريج في الصفحة ٣٥٣.

(٢) كذا في مصحّحة «ن» و «ص» ، وفي النسخ : منه.

الاستدلال لصحة بيع الفضولي بفحوى صحة نكاحه

وربما يستدلّ أيضاً (١) : بفحوى صحّة عقد النكاح من الفضولي في الحرّ والعبد ، الثابتة بالنصّ (٢) والإجماعات المحكية (٣) ؛ فإنّ تمليك بضع الغير إذا لزم بالإجازة كان تمليك ماله أولى بذلك ، مضافاً إلى ما علم من شدّة الاهتمام في عقد النكاح ؛ لأنّه يكون منه الولد ، كما في بعض الأخبار (٤).

المناقشة في الاستدلال المذكور

وقد أشار إلى هذه الفحوى في غاية المراد (٥) ، واستدلّ بها في الرياض ، بل قال : إنّه لولاها أشكل الحكم من جهة الإجماعات المحكيّة على المنع (٦). وهو حسن ، إلاّ أنّها ربما توهن بالنصّ الوارد في الردّ على العامّة الفارقين بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل وبين بيعه ، بالصحّة في الثاني ؛ لأنّ المال له (٧) عوض ، والبطلان في الأوّل ؛ لأنّ البضع ليس له عوض ، حيث قال الإمام عليه‌السلام في مقام ردِّهم‌

__________________

(١) كما في المناهل : ٢٨٧ ، ومقابس الأنوار : ١٢١ ، والجواهر ٢٢ : ٢٧٦.

(٢) انظر الوسائل ١٤ : ٢١١ ، الباب ٧ من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، الحديث ٣. والصفحة ٢٢١ ، الباب ١٣ من الأبواب ، الحديث ٣. والصفحة ٥٢٣ ، الباب ٢٤ من أبواب نكاح العبيد والإماء ، الحديث ١ و ٢ وغيرها.

(٣) كما في الناصريات (الجوامع الفقهيّة) : ٢٤٧ ، المسألة ١٥٤. والسرائر ٢ : ٥٦٥. وانظر كشف اللثام ٢ : ٢٢ ، والرياض ٢ : ٨١.

(٤) انظر الوسائل ١٤ : ١٩٣ ، الباب ١٥٧ من أبواب مقدّمات النكاح ، الحديث ١ و ٣.

(٥) انظر غاية المراد : ١٧٨.

(٦) انظر الرياض ١ : ٥١٢.

(٧) كذا في «ش» ومصححة «ن» ، وفي غيرهما : منه.

واشتباههم في وجه الفرق «سبحان الله! ما أجور هذا الحكم وأفسده ؛ فإنّ النكاح أولى وأجدر أن يحتاط فيه ؛ لأنّه الفرج ، ومنه يكون الولد .. الخبر» (١).

وحاصله : أنّ مقتضى الاحتياط كون النكاح الواقع أولى بالصحّة من البيع ؛ من حيث الاحتياط المتأكّد في النكاح دون غيره ، فدلّ على أنّ صحّة البيع تستلزم صحّة النكاح بطريق أولى ، خلافاً للعامّة حيث عكسوا وحكموا بصحّة البيع دون النكاح ، فمقتضى حكم الإمام عليه‌السلام : أنّ صحّة المعاملة المالية الواقعة في كلّ مقام ؛ تستلزم صحّة النكاح الواقع بطريق أولى ، وحينئذٍ فلا يجوز التعدّي من صحّة النكاح في مسألة الفضولي إلى صحّة البيع ؛ لأنّ الحكم في الفرع لا يستلزم الحكم في الأصل في (٢) باب الأولوية ، وإلاّ لم يتحقّق الأولوية ، كما لا يخفى.

فالاستدلال بصحّة النكاح على صحّة البيع مطابق لحكم العامّة من كون النكاح أولى بالبطلان ؛ من جهة أنّ البضع غير قابل للتدارك بالعوض.

بقي الكلام في وجه جعل الإمام عليه‌السلام الاحتياط في النكاح هو إبقاؤه دون إبطاله ؛ مستدلا بأنّه يكون منه الولد ، مع أنّ الأمر في الفروج كالأموال دائر بين محذورين ، ولا احتياط في البين.

__________________

(١) انظر الوسائل ١٣ : ٢٨٦ ٢٨٧ ، الباب ٢ من أبواب الوكالة ، الحديث ٢.

(٢) شطب في «ص» على «في» وكتب فوقه «من» ، وكذا أثبته العلاّمة المامقاني قدس‌سره في شرحه (غاية الآمال : ٣٦٠).

ويمكن أن يكون الوجه في ذلك : أنّ إبطال النكاح في مقام الإشكال والاشتباه يستلزم التفريق بين الزوجين على تقدير الصحّة واقعاً ، فتتزوّج المرأة ويحصل الزنا بذات البعل ، بخلاف إبقائه ؛ فإنّه على تقدير بطلان النكاح لا يلزم منه إلاّ وطء المرأة الخالية عن المانع ، وهذا أهون من وطء ذات البعل.

فالمراد بالأحوط هو الأشدّ احتياطاً.

وكيف كان ، فمقتضى هذه الصحيحة : أنّه إذا حكم بصحّة النكاح الواقع من الفضولي ، لم يوجب (١) ذلك التعدّي إلى الحكم بصحّة بيع الفضولي. نعم ، لو ورد الحكم بصحّة البيع أمكن الحكم بصحّة النكاح ؛ لأنّ النكاح أولى بعدم الإبطال ، كما هو نصّ الرواية.

ثمّ إنّ الرواية وإن لم يكن لها دخل بمسألة الفضولي ، إلاّ أنّ المستفاد منها قاعدة كليّة ، هي : أنّ إمضاء العقود الماليّة يستلزم إمضاء النكاح ، من دون العكس الذي هو مبنى الاستدلال في مسألة الفضولي.

ما يؤيد لصحة بيع الفضولي

١ ـ ما ورد في المضاربة

هذا ، ثمّ إنّه ربما يؤيّد صحّة الفضولي ، بل يستدلّ عليها : بروايات كثيرةٍ وردت في مقامات خاصّة ، مثل موثّقة جميل عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «في رجل دفع إلى رجلٍ مالاً ليشتري به ضرباً من المتاع مضاربة ، فاشترى غير الذي أمره ، قال : هو ضامن ، والربح بينهما على ما شرطه» (٢). ونحوها غيرها الواردة في هذا الباب.

__________________

(١) في «ن» ، «خ» و «م» ونسخة بدل «ص» : «لا يوجب» ، وصحّح في «ن» بما أثبتناه في المتن.

(٢) الوسائل ١٣ : ١٨٢ ، الباب الأوّل من كتاب المضاربة ، الحديث ٩.