درس مکاسب - بیع فضولی

جلسه ۹: بیع فضولی ۹

 

وما عن الحميري أنّ مولانا عجّل الله فرجه كتب في جواب بعض مسائله : «أنّ الضيعة لا يجوز ابتياعها إلاّ عن مالكها أو بأمره أو رضاً منه» (١).

وما في الصحيح عن محمّد بن مسلم الوارد في أرضٍ بفم النيل (٢) اشتراها رجل ، وأهل الأرض يقولون : هي أرضنا (٣) ، وأهل [الأسياف] (٤) يقولون : هي من أرضنا. فقال : «لا تشترها إلاّ برضا أهلها» (٥).

وما في الصحيح عن محمّد بن القاسم بن الفضل (٦) في رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم ، فكتب عليها (٧) كتاباً‌

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٢٥١ ، الباب الأوّل من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ٨.

(٢) النيل» بليدة في سواد الكوفة يخترقها خليج كبير يتخلّج من الفرات الكبير ، حفره الحجّاج بن يوسف وسمّاه بنيل مصر ، معجم البلدان ٥ : ٣٣٤ «نيل».

(٣) في مصحّحة «ن» والمصدر : أرضهم.

(٤) في النسخ : «الأسناف» ، وفي الكافي والتهذيب ومصحّحة بعض النسخ : «الأستان» ، وما أثبتناه مطابق لما نقله الشهيد عن بعض النسخ المصحّحة في شرحه (هداية الطالب : ٢٧٤) ، ولعلّ ما نقله الشهيدي أقرب إلى الصواب ؛ لأنّ الأسياف كما في القاموس جمع سِيف بالكسر وهو ساحل البحر وساحل الوادي ، أو كلّ ساحل ، فأصحاب السيف هم أصحاب ساحل النيل الذي تقدّم تفسيره ويؤيّده قول السائل : «أرض بفم النيل» أي فم الخليج.

(٥) الوسائل ١٢ : ٢٤٩ ، الباب الأوّل من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ٣ بتفاوت يسير.

(٦) في مصحّحة «ص» والمصادر الحديثية : الفضيل.

(٧) كذا في «ف» و «ن» والمصدر ، وفي سائر النسخ : «إليها» ، إلاّ أنّه صحّح في بعضها بما أثبتناه.

أنّها (١) قد قبضت المال ولم تقبضه (٢) ، فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال : قل له (٣) : يمنعها أشدّ المنع ، فإنّها باعت ما لم تملكه» (٤).

المناقشة في الاستدلال بالروايات

والجواب عن النبوي :

أوّلاً : أنّ الظاهر من الموصول هي العين الشخصيّة ؛ للإجماع والنصّ على جواز بيع الكليّ (٥) ، ومن البيع البيع لنفسه ، لا عن مالك العين ، وحينئذٍ فإمّا أن يراد بالبيع مجرّد الإنشاء ، فيكون دليلاً على عدم جواز بيع الفضولي لنفسه ، فلا يقع له ولا للمالك بعد إجازته. وإمّا أن يراد ما عن التذكرة من أن يبيع عن نفسه ثمّ يمضي ليشتريه من مالكه ، قال : لأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكره جواباً لحكيم بن حزام ، حيث سأله عن أن يبيع الشي‌ء فيمضي ويشتريه ويسلّمه ، فإنّ هذا البيع غير جائز ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ للنهي المذكور وللغرر ؛ لأنّ صاحبها قد لا يبيعها (٦) ، انتهى.

وهذا المعنى يرجع إلى المراد من روايتي خالد ويحيى الآتيتين في بيع الفضولي لنفسه (٧) ، ويكون بطلان البيع بمعنى عدم وقوع البيع للبائع بمجرّد انتقاله إليه بالشراء ، فلا ينافي أهليّته لتعقّب الإجازة من المالك.

__________________

(١) لم ترد «أنّها» في غير «ف» ، لكنّها استدركت في «م» و «ص» بلفظ : «بأنّها» ، وفي «ن» كما أثبتناه.

(٢) في «ف» : قد قضت المال ولم تقضه.

(٣) كلمة «له» من «ن» ، «م» و «ص» والمصدر.

(٤) الوسائل ١٢ : ٢٤٩ ، الباب الأوّل من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ٢.

(٥) انظر الوسائل ١٣ : ٦٠ ، الباب ٥ من أبواب السلف.

(٦) التذكرة ١ : ٤٦٣ ، وحكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٨٦.

(٧) تأتيان في الصفحة ٤٤٧.

وبعبارة اخرى : نهي المخاطب عن البيع دليل على عدم وقوعه مؤثّراً في حقّه ، فلا يدلّ على الغاية بالنسبة إلى المالك حتّى لا تنفعه إجازة (١) المالك في وقوعه له ، وهذا المعنى أظهر من الأوّل ونحن نقول به ، كما سيجي‌ء (٢).

وثانياً : سلّمنا دلالة النبوي على المنع ، لكنّها بالعموم ، فيجب تخصيصه بما تقدّم (٣) من الأدلّة الدالّة على تصحيح بيع ما ليس عند العاقد لمالكه إذا أجاز.

وبما ذكرناه من الجوابين يظهر الجواب عن دلالة قوله : «لا بيع إلاّ في ملك» ؛ فإنّ الظاهر منه كون المنفي هو البيع لنفسه ، وأنّ النفي راجع إلى نفي الصحّة في حقّه لا في حقّ المالك ، مع أنّ العموم لو سلّم وجب تخصيصه بما دلّ على وقوع البيع للمالك إذا أجاز.

وأمّا الروايتان (٤) ، فدلالتهما على ما حملنا عليه السابقين (٥) أوضح ،

__________________

(١) كذا في «ف» و «ن» ، وفي غيرهما : بإجازة.

(٢) سيجي‌ء في الصفحة ٤٤٧ و ٤٥٢.

(٣) راجع الصفحة ٣٥٠ وما بعدها.

(٤) قال المامقاني قدس‌سره : الروايتان عبارة عن توقيع العسكري عليه‌السلام إلى الصفّار ، وما عن الحميري. (غاية الآمال : ٣٦٤) واستظهر السيّد اليزدي قدس‌سره أنّ المراد بهما روايتا خالد ويحيى الآتيتان في بيع الفضولي لنفسه ، ثمّ قال : وأمّا دعوى أنّ المراد بهما التوقيعان ، فهي كما ترى. (حاشية المكاسب : ١٤٠) وقال الشهيدي قدس‌سره أيضاً : يعني بهما روايتي خالد ويحيى الآتيتين. (هداية الطالب : ٢٧٥).

(٥) المراد بهما : النبويّان السابقان ، كما قاله المامقاني قدس‌سره في غاية الآمال : ٣٦٤.

وليس فيهما ما يدلّ ولو بالعموم على عدم وقوع البيع الواقع من غير المالك له إذا أجاز.

وأمّا الحصر في صحيحة ابن مسلم والتوقيع ، فإنّما هو في مقابلة عدم رضا أهل الأرض والضيعة رأساً ، على ما يقتضيه السؤال فيهما.

وتوضيحه : أنّ النهي في مثل المقام وإن كان يقتضي الفساد ، إلاّ أنّه بمعنى عدم ترتّب الأثر المقصود من المعاملة عليه.

ومن المعلوم : أنّ عقد الفضولي لا يترتّب عليه بنفسه (١) الملك المقصود منه ؛ ولذا يطلق عليه الباطل في عباراتهم كثيراً ، ولذا عدّ في الشرائع (٢) والقواعد (٣) من شروط المتعاقدين أعني شروط الصحّة ـ : كون العاقد مالكاً أو قائماً مقامه ، وإن أبيت إلاّ عن ظهور الروايتين في لغويّة عقد الفضولي رأساً ، وجب تخصيصهما (٤) بما تقدّم من أدلّة الصحّة.

وأمّا رواية القاسم بن فضل (٥) ، فلا دلالة فيها إلاّ على عدم جواز إعطاء الثمن للفضولي ؛ لأنّه باع ما لا يملك ، وهذا حقّ لا ينافي صحّة الفضولي.

وأمّا توقيع الصفّار ، فالظاهر منه نفي جواز البيع في ما لا يملك بمعنى وقوعه للبائع على جهة الوجوب واللزوم ، ويؤيّده (٦) تصريحه عليه‌السلام‌

__________________

(١) لم ترد «بنفسه» في «ف».

(٢) الشرائع ٢ : ١٤.

(٣) القواعد ١ : ١٢٤.

(٤) كذا في ظاهر «ف» ومصحّحة «ن» ، وفي غيرهما : تخصيصها.

(٥) تقدّم أنّه في المصادر الحديثية : الفضيل.

(٦) كذا في «ف» و «ص» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : يؤيّد.