درس مکاسب - بیع فضولی

جلسه ۴۶: بیع فضولی ۴۶

 

اللهم إلاّ أن يقال : إنّ عدم ترتّب جميع مقاصد المتعاقدين على عقدٍ بمجرّد إنشائه مع وقوع (١) مدلول ذلك العقد في نظر الشارع مقيّداً بانضمام بعض الأُمور اللاحقة كالقبض في الهبة ونحوها والإجازة في الفضولي لا يقتضي النهي عنها بقولٍ مطلق ؛ إذ معنى صحّة المعاملة شرعاً أن يترتّب عليها شرعاً المدلول المقصود من إنشائه ولو مع شرط لاحق ، وعدم بناء المتعاملين على مراعاة ذلك الشرط لا يوجب النهي عنه إلاّ مقيّداً بتجرّده عن لحوق ذلك الشرط ، فقصدهم ترتّب الملك المنجّز على البيع قبل التملّك بحيث يسلّمون الثمن ويطالبون المبيع لا يوجب الحكم عليه بالفساد.

فالإنصاف : أنّ ظاهر النهي في تلك الروايات هو عدم وقوع البيع قبل التملّك للبائع وعدم ترتّب أثر الإنشاء المقصود منه عليه مطلقاً حتّى مع الإجازة ، وأمّا صحّته بالنسبة إلى المالك إذا أجاز ؛ فلأنّ النهي راجع إلى وقوع البيع المذكور للبائع ، فلا تعرّض فيه لحال المالك إذا أجاز ، فيرجع فيه إلى مسألة الفضولي.

نعم ، قد يخدش (٢) فيها (٣) : أنّ ظاهر كثير من الأخبار المتقدّمة (٤) ، ورودها في بيع الكليّ ، وأنّه لا يجوز بيع الكليّ في الذمّة ثمّ اشتراء‌

__________________

(١) في «ف» : مع عدم وقوع.

(٢) لم نقف على الخدشة بعينها ، نعم في جامع الشتات ٢ : ٣٣١ وغنائم الأيام : ٥٥٨ ، ما يلي : والمراد من تلك الأخبار البيع في الذمّة ، وهو كليّ.

(٣) أي في دلالة الروايات على عدم وقوع البيع قبل التملّك للبائع.

(٤) أي الأخبار المتقدّمة في الصفحة ٤٤٦ ٤٤٩.

بعض أفراده وتسليمه إلى المشتري الأوّل ، والمذهب جواز ذلك وإن نسب الخلاف فيه إلى بعض العبائر (١) ، فيقوى في النفس : أنّها وما ورد في سياقها (٢) في بيع الشخصي أيضاً كروايتي يحيى وخالد المتقدّمتين (٣) أُريد بها الكراهة ، أو وردت في مقام التقيّة ؛ لأنّ المنع عن بيع الكلّي حالاّ مع عدم وجوده عند البائع (٤) حال البيع مذهب جماعة من العامّة كما صرّح به في بعض الأخبار (٥) مستندِين في ذلك إلى النهي النبوي عن بيع ما ليس عندك ، لكنّ الاعتماد على هذا التوهين في رفع اليد عن الروايتين المتقدّمتين الواردتين في بيع الشخصي ، وعموم مفهوم التعليل في الأخبار الواردة في بيع الكليّ (٦) ، خلاف الإنصاف ؛ إذ غاية الأمر حمل الحكم في مورد تلك الأخبار وهو بيع الكليّ قبل التملّك على التقيّة ، وهو لا يوجب طرح مفهوم التعليل رأساً ، فتدبّر.

فالأقوى : العمل بالروايات والفتوى بالمنع عن البيع المذكور.

وممّا يؤيّد المنع مضافاً إلى ما سيأتي عن التذكرة والمختلف‌

__________________

(١) انظر مقابس الأنوار : ١٣٥.

(٢) في «ف» : بسياقها.

(٣) تقدّمتا في الصفحة ٤٤٧.

(٤) في غير «ش» : المشتري.

(٥) انظر الوسائل ١٢ : ٣٧٤ ، الباب ٧ من أبواب أحكام العقود ، الحديث ١ و ٣.

(٦) مثل قوله عليه‌السلام في ذيل صحيحة ابن مسلم : «إنّما يشتريه منه بعد ما يملكه» ، وقوله عليه‌السلام في صحيحة منصور بن حازم : «إنّما البيع بعد ما يشتريه» ، راجع الصفحة ٤٤٨.

من دعوى الاتّفاق ـ : رواية الحسن بن زياد الطائي الواردة في نكاح العبد بغير إذن مولاه ، قال : «قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إنّي كنت رجلاً مملوكاً فتزوّجت بغير إذن مولاي ثمّ أعتقني (١) بعد ، فأُجدّد النكاح؟ فقال : علموا أنّك تزوّجت؟ قلت : نعم ، قد علموا فسكتوا ولم يقولوا لي شيئاً. قال : ذلك إقرار منهم ، أنت على نكاحك .. الخبر» (٢) فإنّها ظاهرة بل صريحة في أنّ علّة البقاء بعد العتق على ما فعله بغير إذن مولاه هو إقراره المستفاد من سكوته ، فلو كان صيرورته حرّا مالكاً لنفسه مسوّغةً للبقاء مع إجازته أو بدونها لم يحتج إلى الاستفصال عن أنّ المولى سكت أم لا ؛ للزوم العقد حينئذٍ (٣) على كلّ تقدير.

مورد الروايات ما لو باع لنفسه غير مترقب للإجازة

ثمّ إنّ الواجب على كلّ تقدير هو الاقتصار على مورد الروايات ، وهو ما لو باع البائع لنفسه واشترى المشتري غير مترقّب لإجازة المالك ولا لإجازة البائع إذا صار مالكاً ، وهذا هو الذي ذكره العلاّمة رحمه‌الله في التذكرة نافياً للخلاف في فساده ، قال : لا يجوز أن يبيع عيناً لا يملكها ويمضي ليشتريها ويسلّمها ، وبه قال الشافعي وأحمد ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تبع ما ليس عندك» ولاشتمالها على الغرر ، فإنّ صاحبها قد لا يبيعها ، وهو غير مالك لها ولا قادر على تسليمها ، أمّا لو اشترى موصوفاً في الذمّة سواء كان‌

__________________

(١) في المصدر : أعتقني الله.

(٢) الوسائل ١٤ : ٥٢٦ ، الباب ٢٦ من أبواب أحكام العبيد والإماء ، الحديث ٣.

(٣) لم ترد «حينئذ» في «ش».