درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۵: برائت ۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

أمّا المقام الأوّل

فيقع الكلام فيه في موضعين :

حكم الشأن من دون ملاحظة الحالة السابقة

لأنّ الشكّ إمّا في نفس التكليف وهو النوع الخاصّ من الإلزام وإن علم جنسه ، كالتكليف المردّد بين الوجوب والتحريم.

وإمّا في متعلق التكليف مع العلم بنفسه ، كما إذا علم وجوب شيء وشكّ بين تعلّقه بالظهر والجمعة ، أو علم وجوب فائتة وتردّدت بين الظهر والمغرب.

[الموضع الأوّل] (١)

الشكّ في نفس التكليف

والموضع الأول يقع الكلام فيه في مطالب ؛ لأنّ التكليف المشكوك فيه إمّا تحريم مشتبه بغير الوجوب ، وإمّا وجوب مشتبه بغير التحريم ، وإمّا تحريم مشتبه بالوجوب (٢) ، وصور الاشتباه كثيرة.

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) في (ظ) بدل «إمّا تحريم مشتبه بغير الوجوب ـ إلى ـ بالوجوب» : «إمّا إيجاب مشتبه بغيره ، وإمّا تحريم كذلك».

وهذا مبنيّ على اختصاص التكليف بالإلزام ، أو اختصاص الخلاف في البراءة والاحتياط به ، ولو فرض (١) شموله للمستحب والمكروه يظهر حالهما من الواجب والحرام ؛ فلا حاجة إلى تعميم العنوان.

ثمّ إنّ (٢) متعلّق التكليف المشكوك :

متعلّق التكليف المشكوك إمّا فعل كليّ أو فعل جزئي

إمّا أن يكون فعلا كلّيّا متعلّقا للحكم الشرعي الكلّي ، كشرب التتن المشكوك في حرمته ، والدعاء عند رؤية الهلال المشكوك في وجوبه.

وإمّا أن يكون فعلا جزئيّا متعلّقا للحكم الجزئي ، كشرب هذا المائع المحتمل كونه خمرا.

منشأ الشكّ في لشبهة الموضوعيّة والحكميّة

ومنشأ الشكّ في القسم الثاني : اشتباه الامور الخارجيّة.

ومنشؤه في الأوّل : إمّا أن يكون عدم النصّ في المسألة ، كمسألة شرب التتن ، وإمّا أن يكون إجمال النصّ ، كدوران الأمر في قوله تعالى : ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾(٣) بين التشديد والتخفيف مثلا ، وإمّا أن يكون تعارض النصّين ، ومنه الآية المذكورة بناء على تواتر القراءات.

وتوضيح أحكام هذه الأقسام في ضمن مطالب :

الأوّل : دوران الأمر بين الحرمة وغير الوجوب من الأحكام الثلاثة الباقية.

الثاني : دورانه بين الوجوب وغير التحريم.

الثالث : دورانه بين الوجوب والتحريم.

__________________

(١) كذا في (ت) و (ظ) ، وفي غيرهما : «فلو فرض».

(٢) «إنّ» من (ه).

(٣) البقرة : ٢٢٢.

فالمطلب الأوّل

فيما دار الأمر فيه بين الحرمة وغير الوجوب

وقد عرفت (١) : أنّ متعلّق الشكّ تارة : الواقعة الكلّية كشرب التتن ، ومنشأ الشكّ فيه عدم النصّ ، أو إجماله ، أو تعارضه ، واخرى : الواقعة الجزئيّة.

فهنا أربع مسائل :

__________________

(١) راجع الصفحة ١٧ ـ ١٨.

الاولى

ما لا نصّ فيه

الشبهة التحريميّة من جهة فقدان النصّ

وقد اختلف فيه على ما يرجع إلى قولين :

أحدهما : إباحة الفعل شرعا وعدم وجوب الاحتياط بالترك.

قولان في المسألة

والثاني : وجوب الترك ، ويعبّر عنه بالاحتياط.

والأوّل منسوب إلى المجتهدين ، والثاني إلى معظم الأخباريّين (١).

وربما نسب إليهم أقوال أربعة : التحريم ظاهرا ، والتحريم واقعا ، والتوقّف ، والاحتياط (٢). ولا يبعد أن يكون تغايرها باعتبار العنوان ، ويحتمل الفرق بينها أو بين (٣) بعضها من وجوه أخر تأتي بعد ذكر أدلّة الأخباريّين (٤).

__________________

(١) انظر القوانين ٢ : ١٦.

(٢) الناسب هو الوحيد البهبهاني ، كما سيأتي في الصفحة ١٠٥ ، وانظر الفصول : ٣٥٢.

(٣) في (ت) و (ر): «وبين».

(٤) انظر الصفحة ١٠٥ ـ ١٠٨.

احتجّ للقول الأوّل بالأدلّة الأربعة :

أدلّة القول بالإباحة وعدم وجوب الاحتياط :

فمن الكتاب آيات :

منها : قوله تعالى : ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها﴾(١).

قيل : دلالتها واضحة (٢).

الاستدلال بآية «ولا يكلّف الله ...» والمناقشة فيه

وفيه : أنّها غير ظاهرة ؛ فإنّ حقيقة الإيتاء الإعطاء ، فإمّا أن يراد بالموصول المال ـ بقرينة قوله تعالى قبل ذلك : ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ﴾(٣) ـ ، فالمعنى : أنّ الله سبحانه لا يكلّف العبد إلاّ دفع ما اعطي من المال.

وإمّا أن يراد نفس فعل الشيء أو تركه ـ بقرينة إيقاع التكليف عليه ـ ، فإعطاؤه كناية عن الإقدار عليه ، فتدلّ على نفي التكليف بغير المقدور ـ كما ذكره الطبرسيّ (٤) قدس‌سره ـ وهذا المعنى أظهر وأشمل ؛ لأنّ الإنفاق من الميسور داخل في «ما آتاه الله».

وكيف كان : فمن المعلوم أنّ ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور ؛ وإلاّ لم ينازع في وقوع التكليف به أحد من المسلمين ، وإن نازعت الأشاعرة في إمكانه.

نعم ، لو اريد من الموصول نفس الحكم والتكليف ، كان إيتاؤه

__________________

(١) الطلاق : ٧.

(٢) قاله الفاضل النراقي في المناهج : ٢١٠.

(٣) الطلاق : ٧.

(٤) مجمع البيان ٥ : ٣٠٩.