درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۹: برائت ۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

قطعيّا على عدم الوجود ، إلاّ أنّ في التعبير بعدم الوجدان دلالة على كفاية عدم الوجدان في إبطال الحكم بالحرمة.

المناقشة في الاستدلال

لكنّ الإنصاف : أنّ غاية الأمر أن يكون في العدول عن التعبير بعدم الوجود إلى عدم الوجدان إشارة إلى المطلب ، وأمّا الدلالة فلا ؛ ولذا قال في الوافية : وفي الآية إشعار بأنّ إباحة الأشياء مركوزة في العقل قبل الشرع (١).

مع أنّه لو سلّم دلالتها ، فغاية مدلولها كون عدم وجدان التحريم فيما صدر عن الله تعالى من الأحكام يوجب عدم التحريم ، لا عدم وجدانه فيما بقي بأيدينا من أحكام الله تعالى بعد العلم باختفاء كثير منها عنّا ، وسيأتي توضيح ذلك عند الاستدلال بالإجماع العمليّ على هذا المطلب (٢).

الاستدلال بآية «وما لكم»

ومنها : قوله تعالى : ﴿وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣).

يعني مع خلوّ ما فصّل عن ذكر هذا الذي يجتنبونه.

ولعلّ هذه الآية أظهر من سابقتها ؛ لأنّ السابقة دلّت على أنّه لا يجوز الحكم بحرمة ما لم يوجد تحريمه فيما أوحى الله سبحانه إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذه تدل على أنّه لا يجوز التزام ترك الفعل مع عدم وجوده فيما فصّل وإن لم يحكم بحرمته ، فيبطل وجوب الاحتياط أيضا.

__________________

(١) الوافية : ١٨٦.

(٢) انظر الصفحة ٥٥ ـ ٥٦.

(٣) الأنعام : ١١٩.

المناقشة في الاستدلال

إلاّ أنّ دلالتها موهونة من جهة اخرى ، وهي : أنّ ظاهر الموصول العموم ، فالتوبيخ على الالتزام بترك الشيء مع تفصيل جميع المحرّمات الواقعيّة وعدم كون المتروك منها ، ولا ريب أنّ اللازم من ذلك ، العلم بعدم كون المتروك محرّما واقعيّا ، فالتوبيخ في محلّه.

عدم نهوض الآيات المذكورة لإبطال وجوب الاحتياط

والإنصاف ما ذكرنا : من أنّ الآيات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بوجوب الاحتياط ؛ لأنّ غاية مدلول الدالّ منها هو عدم التكليف فيما لم يعلم خصوصا أو عموما بالعقل أو النقل ، وهذا ممّا لا نزاع فيه لأحد ، وإنّما أوجب الاحتياط من أوجبه بزعم قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجوبه ، فاللازم على منكره ردّ ذلك الدليل أو معارضته بما يدلّ على الرخصة وعدم وجوب الاحتياط في ما لا نصّ فيه ، وأمّا الآيات المذكورة فهي ـ كبعض الأخبار الآتية (١) ـ لا تنهض لذلك (٢) ؛ ضرورة أنّه إذا فرض أنّه ورد بطريق معتبر في نفسه أنّه يجب الاحتياط في كلّ ما يحتمل أن يكون قد حكم الشارع فيه بالحرمة ، لم يكن يعارضه شيء من الآيات المذكورة.

الاستدلال على البراءة بالسنّة :

وأمّا السنّة :

فيذكر منها في المقام أخبار كثيرة :

بحديث «الرفع»

منها : المرويّ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسند صحيح في الخصال (٣) ، كما عن

__________________

(١) انظر الصفحة ٤٢ و ٥٠.

(٢) في (ر) و (ظ): «بذلك».

(٣) الخصال : ٤١٧ ، باب التسعة ، الحديث ٩.