درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۵: برائت ۱۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المجعولة ولا الآثار الشرعيّة المترتّبة عليها ، كوجوب الإعادة فيما نحن فيه.

ويردّه : ما تقدّم في نظيره : من أنّ الرفع راجع (١) إلى شرطيّة طهارة اللباس بالنسبة إلى الناسي ، فيقال ـ بحكم حديث الرفع ـ : إنّ شرطيّة الطهارة شرعا مختصّة بحال الذكر ، فيصير صلاة الناسي في النجاسة مطابقة للمأمور به ، فلا يجب الإعادة. وكذلك الكلام في الجزء المنسيّ ، فتأمّل.

اختصاص الرفع بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان

واعلم ـ أيضا ـ : أنّه لو حكمنا بعموم الرفع لجميع الآثار ، فلا يبعد اختصاصه بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان على الامّة ، كما إذا استلزم إضرار المسلم ؛ فإتلاف المال المحترم نسيانا أو خطأ لا يرتفع معه الضّمان. وكذلك الإضرار بمسلم لدفع الضرر عن نفسه لا يدخل في عموم «ما اضطرّوا إليه» ؛ إذ لا امتنان في رفع الأثر عن الفاعل بإضرار الغير ؛ فليس الإضرار بالغير نظير سائر المحرّمات الإلهيّة المسوّغة لدفع الضرر.

وأمّا ورود الصحيحة المتقدّمة عن المحاسن (٢) في مورد حقّ الناس ـ أعني العتق والصدقة ـ فرفع أثر الإكراه عن الحالف يوجب فوات نفع على المعتق والفقراء ، لا إضرارا بهم.

وكذلك رفع أثر الإكراه عن المكره في ما إذا تعلّق (٣) بإضرار

__________________

(١) في (ر) و (ص) زيادة : «هنا» ، ولكن شطب عليها ظاهرا في (ص).

(٢) تقدّمت في الصفحة ٢٩.

(٣) في (ت) و (ه) زيادة : «الإكراه».

مسلم ، من باب عدم وجوب تحمّل الضرر لدفع الضرر عن الغير ولا ينافي الامتنان ، وليس من باب الإضرار على الغير لدفع الضرر عن النفس لينافي ترخيصه الامتنان على العباد ؛ فإنّ الضرر أوّلا وبالذات متوجّه على الغير بمقتضى إرادة المكره ـ بالكسر ـ ، لا على المكره ـ بالفتح ـ ، فافهم.

المراد من رفع الحسد

بقي في المقام شيء وان لم يكن مربوطا به ، وهو :

أنّ النبويّ المذكور مشتمل على ذكر «الطيرة» و «الحسد» و «التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفته» (١). وظاهره رفع المؤاخذة على (٢) الحسد مع مخالفته لظاهر الأخبار الكثيرة (٣). ويمكن حمله على ما لم يظهر الحاسد أثره باللسان أو غيره ؛ بجعل عدم النطق باللسان قيدا له أيضا.

ويؤيّده : تأخير الحسد عن الكلّ في مرفوعة النهديّ (٤) عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، المرويّة في آخر أبواب الكفر والإيمان من اصول الكافي :

«قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وضع عن أمّتي تسعة أشياء : الخطأ ، والنسيان ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، وما استكرهوا عليه ، والطيرة ، والوسوسة في التفكّر في الخلق ، والحسد

__________________

(١) في (ظ): «بشفة» ، وفي (ت) و (ه): «بشفتيه».

(٢) في (ص): «عن».

(٣) انظر البحار ٧٣ : ٢٣٧ ، باب الحسد.

(٤) كذا في المصدر ، وفي النسخ «الهندي».

ما لم يظهر بلسان أو يد ... الحديث (١)».

ولعلّ الاقتصار في النبويّ الأوّل على قوله : «ما لم ينطق» ؛ لكونه أدنى مراتب الإظهار.

وروي : «ثلاثة لا يسلم منها أحد : الطيرة ، والحسد ، والظنّ. قيل : فما نصنع؟ قال : إذا تطيّرت فامض ، وإذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تحقّق» (٢).

والبغي : عبارة عن استعمال الحسد ؛ وسيأتي في رواية الخصال : «إنّ المؤمن لا يستعمل حسده» (٣) ؛ ولأجل ذلك عدّ في الدروس من الكبائر ـ في باب الشهادات ـ إظهار الحسد ، لا نفسه (٤) ، وفي الشرائع : إنّ الحسد معصية وكذا الظنّ بالمؤمن (٥) ، والتظاهر بذلك قادح في

__________________

(١) كذا في النسخ ، ولكن ليست للحديث تتمّة. انظر الكافي ٢ : ٤٦٣ ، باب ما رفع عن الامّة ، الحديث ٢ ، والوسائل ١١ : ٢٩٥ ، الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس ، الحديث ٣.

(٢) البحار ٥٨ : ٣٢٠ ، ذيل الحديث ٩.

(٣) لم يذكر ذلك في رواية الخصال الآتية في الصفحة ٤٠. نعم ، في الوسائل عن حمزة بن حمران ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «ثلاثة لم ينج منها نبيّ فمن دونه : التفكّر في الوسوسة في الخلق ، والطيرة ، والحسد ، إلاّ أنّ المؤمن لا يستعمل حسده» الوسائل ١١ : ٢٩٣ ، الباب ٥٥ من أبواب جهاد النفس ، الحديث ٨.

(٤) الدروس ٢ : ١٢٦.

(٥) في (ت) و (ه) بدل : «الظنّ بالمؤمن» : «بغض المؤمن» ، وفي المصدر : «بغضة المؤمن».

العدالة (١).

والإنصاف : أنّ في كثير من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك.

المراد من رفع الطيرة

وأمّا «الطيرة» ـ بفتح الياء ، وقد يسكّن ـ : وهي في الأصل التشؤّم بالطير (٢) ؛ لأنّ أكثر تشؤم العرب كان به ، خصوصا الغراب.

والمراد : إمّا رفع المؤاخذة عليها ؛ ويؤيّده ما روي من : «أنّ الطيرة شرك وإنّما يذهبه التوكّل» (٣) ، وإمّا رفع أثرها ؛ لأنّ التطيّر (٤) كان يصدّهم عن مقاصدهم ، فنفاه الشرع.

المراد من الوسوسة في الخلق

وأمّا «الوسوسة في التفكّر في الخلق» كما في النبويّ الثاني ، أو «التفكّر في الوسوسة فيه» كما في الأوّل ، فهما واحد ، والأوّل أنسب ، ولعلّ الثاني اشتباه من الراوي.

والمراد به ـ كما قيل (٥) ـ : وسوسة الشيطان للانسان عند تفكّره في أمر الخلقة ؛ وقد استفاضت الأخبار بالعفو عنه.

ففي صحيحة جميل بن درّاج ، قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : «إنّه يقع في قلبي أمر عظيم ، فقال عليه‌السلام : قل : لا إله إلاّ الله ، قال جميل : فكلّما وقع في قلبي شيء قلت : لا إله إلاّ الله ، فذهب عني» (٦).

__________________

(١) الشرائع ٢ : ١٢٨.

(٢) انظر مجمع البحرين ٣ : ٣٨٥ (مادة طير).

(٣) البحار ٥٨ : ٣٢٢ ، ذيل الحديث ١٠ ، مع تفاوت.

(٤) كذا في (ص) ، (ظ) ، (ه) ومحتمل (ر) ، وفي (ت) ومحتمل (ر): «الطير».

(٥) قاله المجلسي في مرآة العقول ١١ : ٣٩٣.

(٦) الوسائل ٤ : ١١٩١ ، الباب ١٦ من أبواب الذكر ، الحديث الأوّل.