درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۶: برائت ۱۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

العدالة (١).

والإنصاف : أنّ في كثير من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك.

المراد من رفع الطيرة

وأمّا «الطيرة» ـ بفتح الياء ، وقد يسكّن ـ : وهي في الأصل التشؤّم بالطير (٢) ؛ لأنّ أكثر تشؤم العرب كان به ، خصوصا الغراب.

والمراد : إمّا رفع المؤاخذة عليها ؛ ويؤيّده ما روي من : «أنّ الطيرة شرك وإنّما يذهبه التوكّل» (٣) ، وإمّا رفع أثرها ؛ لأنّ التطيّر (٤) كان يصدّهم عن مقاصدهم ، فنفاه الشرع.

المراد من الوسوسة في الخلق

وأمّا «الوسوسة في التفكّر في الخلق» كما في النبويّ الثاني ، أو «التفكّر في الوسوسة فيه» كما في الأوّل ، فهما واحد ، والأوّل أنسب ، ولعلّ الثاني اشتباه من الراوي.

والمراد به ـ كما قيل (٥) ـ : وسوسة الشيطان للانسان عند تفكّره في أمر الخلقة ؛ وقد استفاضت الأخبار بالعفو عنه.

ففي صحيحة جميل بن درّاج ، قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : «إنّه يقع في قلبي أمر عظيم ، فقال عليه‌السلام : قل : لا إله إلاّ الله ، قال جميل : فكلّما وقع في قلبي شيء قلت : لا إله إلاّ الله ، فذهب عني» (٦).

__________________

(١) الشرائع ٢ : ١٢٨.

(٢) انظر مجمع البحرين ٣ : ٣٨٥ (مادة طير).

(٣) البحار ٥٨ : ٣٢٢ ، ذيل الحديث ١٠ ، مع تفاوت.

(٤) كذا في (ص) ، (ظ) ، (ه) ومحتمل (ر) ، وفي (ت) ومحتمل (ر): «الطير».

(٥) قاله المجلسي في مرآة العقول ١١ : ٣٩٣.

(٦) الوسائل ٤ : ١١٩١ ، الباب ١٦ من أبواب الذكر ، الحديث الأوّل.

وفي رواية حمران عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، عن الوسوسة وإن كثرت ، قال : «لا شيء فيها ، تقول : لا إله إلاّ الله» (١).

وفي صحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «جاء رجل إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إنّي هلكت ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله له : أتاك الخبيث فقال لك : من خلقك؟ فقلت : الله تعالى ، فقال : الله (٢) من خلقه؟ فقال : إي والذي بعثك بالحقّ قال كذا ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : ذاك والله محض الإيمان».

قال ابن أبي عمير : فحدّثت ذلك عبد الرحمن بن الحجّاج ، فقال : حدّثني أبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما عنى بقوله : " هذا محض الإيمان" خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض في قلبه ذلك» (٣).

وفي رواية اخرى عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : «والّذي بعثني بالحقّ إنّ هذا لصريح الإيمان ، فإذا وجدتموه فقولوا : آمنّا بالله ورسوله ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله» (٤).

وفي رواية اخرى عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقو عليكم ، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلّكم ، فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم الله تعالى وحده» (٥).

__________________

(١) الوسائل ٤ : ١١٩٢ ، الباب ١٦ من أبواب الذكر ، الحديث ٤.

(٢) كلمة «الله» المباركة من المصدر.

(٣) الكافي ٢ : ٤٢٥ ، باب الوسوسة وحديث النفس ، الحديث ٣.

(٤) الوسائل ٤ : ١١٩٢ ، الباب ١٦ من أبواب الذكر ، الحديث ٣.

(٥) الوسائل ٤ : ١١٩٢ ، الباب ١٦ من أبواب الذكر ، الحديث ٢.

ويحتمل أن يراد بالوسوسة في الخلق : الوسوسة في امور الناس وسوء الظنّ بهم ، وهذا أنسب بقوله : «ما لم ينطق بشفة» (١).

ثمّ هذا الذي ذكرنا هو الظاهر المعروف في معنى الثلاثة الأخيرة المذكورة في الصحيحة.

وفي الخصال بسند فيه رفع ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «قال : ثلاث لم يعر منها نبيّ فمن دونه : الطيرة ، والحسد ، والتفكّر في الوسوسة في الخلق» (٢).

ما ذكره الصدوق في تفسير الطيرة والحسد والوسوسة

وذكر الصدوق رحمه‌الله في تفسيرها (٣) : أنّ المراد بالطيرة التطيّر بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أو المؤمن ، لا تطيّره ؛ كما حكى الله عزّ وجلّ عن الكفّار : ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾(٤).

والمراد ب «الحسد» أن يحسد ، لا أن يحسد ؛ كما قال الله تعالى : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ﴾(٥).

والمراد ب «التفكّر» ابتلاء الأنبياء عليهم‌السلام بأهل الوسوسة ، لا غير ذلك ؛ كما حكى الله عن الوليد بن مغيرة : ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾(٦) ، فافهم.

__________________

(١) كذا في (ظ) والمصدر ، وفي (ت) ، (ر) و (ص): «بشفته» ، وفي (ه): «بشفتيه».

(٢) الخصال : ٨٩ ، باب الثلاثة ، الحديث ٢٧.

(٣) نفس المصدر ، ذيل الحديث المذكور.

(٤) النمل : ٤٧.

(٥) النساء : ٥٤.

(٦) المدثر : ١٨ ـ ١٩.

وقد خرجنا في الكلام في النبويّ الشريف عمّا يقتضيه وضع الرسالة.

الاستدلال بحديث «الحجب» والمناقشة فيه

ومنها : قوله عليه‌السلام : «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (١).

فإنّ المحجوب حرمة شرب التتن ، فهي موضوعة عن العباد.

وفيه : أنّ الظاهر ممّا حجب الله علمه ما لم يبيّنه للعباد ، لا ما بيّنه واختفى عليهم بمعصية (٢) من عصى الله في كتمان الحق أو ستره ؛ فالرواية مساوقة لما ورد عن مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام : «إنّ الله تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تعصوها ، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلّفوها ؛ رحمة من الله لكم» (٣).

الاستدلال بحديث «السعة» والمناقشة فيه

ومنها : قوله عليه‌السلام : «الناس في سعة ما لم يعلموا» (٤).

فإنّ كلمة «ما» إمّا موصولة اضيف إليه السعة وإمّا مصدريّة ظرفيّة ، وعلى التقديرين يثبت المطلوب.

وفيه : ما تقدّم في الآيات (٥) : من أنّ الأخباريين لا ينكرون عدم

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ١١٩ ، الباب ١٢ من صفات القاضي ، الحديث ٢٨.

(٢) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «من معصية».

(٣) نهج البلاغة : ٤٨٧ ، الحكمة ١٠٥.

(٤) عوالي اللآلي ١ : ٤٢٤ ، الحديث ١٠٩ ، وانظر المستدرك ١٨ : ٢٠ ، الباب ١٢ من أبواب مقدّمات الحدود ، الحديث ٤.

(٥) راجع الصفحة ٢٧.

وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل والنقل بعد التأمّل والتتبّع.

الاستدلال برواية «عبد الأعلى» والمناقشة فيه

ومنها : رواية عبد الأعلى عن الصادق عليه‌السلام : «قال : سألته عمّن لم يعرف شيئا ، هل عليه شيء؟ قال : لا» (١).

بناء على أنّ المراد بالشيء الأوّل فرد معيّن مفروض في الخارج حتّى لا يفيد العموم في النفي (٢) ، فيكون المراد : هل عليه شيء في خصوص ذلك الشيء المجهول؟ وأمّا بناء على إرادة العموم فظاهره السؤال عن القاصر الذي لا يدرك شيئا.

الاستدلال برواية «أيّما امرئ ...» والمناقشة فيه

ومنها : قوله : «أيّما امرئ ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه» (٣).

وفيه : أنّ الظاهر من الرواية ونظائرها من قولك : «فلان عمل بكذا بجهالة» هو اعتقاد الصواب أو الغفلة عن الواقع ، فلا يعمّ صورة التردّد في كون فعله صوابا أو خطأ.

ويؤيّده : أنّ تعميم الجهالة لصورة التردّد يحوج الكلام إلى التخصيص بالشاكّ الغير المقصّر ، وسياقه يأبى عن التخصيص ، فتأمّل.

الاستدلال برواية «إنّ الله تعالى يحتجّ ...» والمناقشة فيه

ومنها : قوله عليه‌السلام : «إنّ الله يحتجّ على العباد بما آتاهم وعرّفهم» (٤).

__________________

(١) الكافي ١ : ١٦٤ ، باب حجج الله على خلقه ، الحديث ٢.

(٢) في (ه): «المنفي».

(٣) الوسائل ٥ : ٣٤٤ ، الباب ٣٠ من أبواب الخلل في الصلاة ، الحديث الأوّل ، مع تفاوت يسير.

(٤) الكافي ١ : ١٦٢ ، باب البيان والتعريف ولزوم الحجة ، الحديث الأوّل.