درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۸: برائت ۱۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

في عدّتها : «قال : أمّا إذا كان بجهالة فليتزوّجها بعد ما تنقضي (١) عدّتها ، فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك. قلت : بأيّ الجهالتين أعذر (٢) ، بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه ، أم بجهالته أنّها في عدّة؟ قال : إحدى الجهالتين أهون من الاخرى ، الجهالة بأن الله حرّم عليه ذلك ؛ وذلك لأنّه لا يقدر معها على الاحتياط ، قلت : فهو في الاخرى معذور؟ قال : نعم ، إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها» (٣).

المناقشة في الاستدلال بالصحيحة

وفيه : أنّ الجهل بكونها في العدّة إن كان مع العلم بالعدّة في الجملة والشكّ في انقضائها : فان كان الشك في أصل الانقضاء مع العلم بمقدارها فهو شبهة في الموضوع خارج عمّا نحن فيه ، مع أنّ مقتضى الاستصحاب المركوز في الأذهان عدم الجواز.

ومنه يعلم : أنّه لو كان الشكّ في مقدار العدّة فهي شبهة حكميّة قصّر في السؤال عنها ، وهو ليس (٤) معذورا فيها (٥) اتفاقا ؛ و (٦) لأصالة بقاء العدّة وأحكامها ، بل في رواية اخرى أنّه : «إذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة» (٧) ، فالمراد من المعذوريّة عدم حرمتها عليه مؤبّدا ،

__________________

(١) كذا في المصدر ، وفي النسخ : «ينقضي».

(٢) في المصدر : «يعذر».

(٣) الوسائل ١٤ : ٣٤٥ ، الباب ١٧ من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٤.

(٤) كذا في (ظ) ، وفي (ر) ، (ص) و (ه): «فهو ليس» ، وفي (ت): «وليس».

(٥) لم ترد «فيها» في (ر) و (ظ).

(٦) «و» من (ت) و (ه).

(٧) الوسائل ١٨ : ٣٩٦ ، الباب ٢٧ من أبواب حد الزنا ، الحديث ٣.

لا من حيث المؤاخذة.

ويشهد له أيضا : قوله عليه‌السلام ـ بعد قوله : «نعم ، أنّه إذا انقضت عدّتها فهو معذور» ـ : «جاز له أن يتزوّجها».

وكذا مع الجهل بأصل العدّة ؛ لوجوب الفحص ، وأصالة عدم تأثير العقد ، خصوصا مع وضوح الحكم بين المسلمين الكاشف عن تقصير الجاهل.

هذا إن كان الجاهل ملتفتا شاكّا ، وإن كان غافلا أو معتقدا للجواز فهو خارج عن مسألة البراءة ؛ لعدم قدرته على الاحتياط.

وعليه يحمل تعليل معذوريّة الجاهل بالتحريم بقوله عليه‌السلام : «لأنّه لا يقدر ... الخ» ، وإن كان تخصيص الجاهل بالحرمة بهذا التعليل يدلّ على قدرة الجاهل بالعدّة على الاحتياط ؛ فلا يجوز حمله على الغافل ، إلاّ أنّه إشكال يرد على الرواية على كلّ تقدير ، ومحصّله لزوم التفكيك بين الجهالتين ، فتدبّر فيه وفي دفعه.

الاستدلال برواية «كلّ شيء فيه حلال وحرام ...»

وقد يستدلّ على المطلب (١) ـ أخذا من الشهيد في الذكرى (٢) ـ بقوله عليه‌السلام : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (٣).

وتقريب الاستدلال كما في شرح الوافية ، أنّ معنى الحديث : أنّ

__________________

(١) المستدلّ هو الفاضل التوني في الوافية : ١٨١ ، وكذا الفاضل النراقي في المناهج : ٢١١.

(٢) الذكرى ١ : ٥٢.

(٣) الوسائل ١٢ : ٥٩ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل.

كلّ فعل من جملة الأفعال التي تتّصف بالحلّ والحرمة ، وكذا كلّ عين ممّا يتعلّق به فعل المكلّف ويتّصف بالحلّ والحرمة ، إذا لم يعلم الحكم الخاصّ به من الحلّ والحرمة ، فهو حلال ؛ فخرج ما لا يتّصف بهما جميعا : من الأفعال الاضطرارية ، والأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف ، وما علم أنّه حلال لا حرام فيه أو حرام لا حلال فيه. وليس الغرض من ذكر الوصف مجرّد الاحتراز ، بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه.

فصار الحاصل : أنّ ما اشتبه حكمه وكان محتملا لأن يكون حلالا ولأن يكون حراما فهو حلال ، سواء علم حكم كليّ فوقه أو تحته ـ بحيث لو فرض العلم باندراجه تحته أو تحقّقه في ضمنه لعلم حكمه ـ أم لا.

وبعبارة اخرى : أنّ كلّ شيء فيه الحلال والحرام عندك ـ بمعنى أنّك تقسّمه إلى هذين وتحكم عليه بأحدهما لا على التعيين ولا تدري المعيّن منهما ـ فهو لك حلال.

فيقال حينئذ : إنّ الرواية صادقة على مثل اللحم المشترى من السوق المحتمل للمذكّى والميتة ، وعلى شرب التتن ، وعلى لحم الحمير إن لم نقل بوضوحه وشككنا فيه ؛ لأنّه يصدق على كلّ منها أنّه شيء فيه حلال وحرام عندنا ، بمعنى أنّه يجوز لنا أن نجعله مقسما لحكمين ، فنقول : هو إمّا حلال وإمّا حرام ، وأنّه يكون من جملة الأفعال التي يكون بعض أنواعها أو أصنافها حلالا وبعضها حراما ، واشتركت في أنّ الحكم الشرعيّ المتعلّق بها غير معلوم (١) ، انتهى.

__________________

(١) شرح الوافية (مخطوط) : ٢٤٧ ـ ٢٤٨ ، مع تفاوت كثير.