درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۲۴: برائت ۲۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

كليّة ظاهريّة وإن لم يكن في مورده تكليف في الواقع ، فلو تمّت عوقب على مخالفتها وإن لم يكن تكليف في الواقع ، لا على التكليف المحتمل على فرض وجوده ؛ فلا تصلح القاعدة لورودها على قاعدة القبح المذكورة ، بل قاعدة القبح واردة عليها ؛ لأنّها فرع احتمال الضرر أعني العقاب ، ولا احتمال بعد حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان.

فمورد قاعدة دفع العقاب المحتمل هو ما ثبت العقاب فيه ببيان الشارع للتكليف فتردّد المكلّف به (١) بين أمرين ، كما في الشبهة المحصورة وما يشبهها.

هذا كلّه إن اريد ب «الضرر» العقاب ، وإن اريد به (٢) مضرّة اخرى غير العقاب ـ التي لا يتوقّف ترتّبها على العلم ـ ، فهو وإن كان محتملا لا يرتفع احتماله بقبح العقاب من غير بيان ، إلاّ أنّ الشبهة من هذه الجهة موضوعيّة لا يجب الاحتياط فيها باعتراف الأخباريين ، فلو ثبت وجوب دفع المضرّة المحتملة لكان هذا مشترك الورود ؛ فلا بدّ على كلا القولين إمّا من منع وجوب الدفع ، وإمّا من دعوى ترخيص الشارع وإذنه فيما شكّ في كونه من مصاديق الضرر ، وسيجيء توضيحه في الشبهة الموضوعية (٣) إن شاء الله.

ما ذكره في الغنية : من أنّ التكليف بما لا طريق إلى العلم به تكليف بما لا يطاق

ثمّ إنّه ذكر السيّد أبو المكارم قدس‌سره في الغنية : أنّ التكليف بما

__________________

(١) لم ترد «به» في (ظ) و (ه).

(٢) كذا في نسخة بدل (ظ) ، وفي غيرها : «بها».

(٣) انظر الصفحة ١٢٢ ـ ١٢٦.

لا طريق إلى العلم به تكليف بما لا يطاق (١). وتبعه بعض من تأخّر عنه (٢) ، فاستدلّ به في مسألة البراءة.

المراد ب «ما لا يطاق»

والظاهر : أنّ المراد به ما لا يطاق الامتثال به وإتيانه بقصد الطاعة ، كما صرّح به جماعة من الخاصّة والعامّة (٣) في دليل اشتراط التكليف بالعلم ؛ وإلاّ فنفس الفعل لا يصير ممّا لا يطاق بمجرّد عدم العلم بالتكليف به.

واحتمال كون الغرض من التكليف مطلق صدور الفعل ولو مع عدم قصد الإطاعة ، أو كون (٤) الغرض من التكليف مع الشكّ فيه إتيان الفعل بداعي حصول الانقياد بقصد الإتيان بمجرّد احتمال كونه مطلوبا للآمر ، وهذا ممكن من الشاكّ وإن لم يكن من الغافل ، مدفوع : بأنّه إن قام دليل على وجوب إتيان الشاكّ في التكليف بالفعل لاحتمال المطلوبيّة ، أغنى ذلك من التكليف بنفس الفعل ، وإلاّ لم ينفع التكليف المشكوك في تحصيل الغرض المذكور.

والحاصل : أنّ التكليف المجهول لا يصلح (٥) لكون الغرض منه

__________________

(١) الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٦٤.

(٢) كالمحقّق في المعارج : ٢١٢ ـ ٢١٣ ، والعلاّمة في نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٢٤ ، والفاضل التوني في الوافية : ١٨٠ ، والمحقّق القمّي في القوانين ٢ : ١٦.

(٣) كالسيد العميدي في منية اللبيب (مخطوط) : الورقة ٧٢ ، والحاجي والعضدي في شرح مختصر الاصول : ١٠٤ ـ ١٠٥ ، وانظر مفاتيح الاصول : ٣١٨.

(٤) كذا في (ت) ، (ص) و (ه) ، وفي غيرها : «يكون».

(٥) في (ظ) و (ه): «لا يصحّ».

الحمل على الفعل مطلقا ، وصدور الفعل من الفاعل أحيانا لا لداعي التكليف لا يمكن أن يكون غرضا للتكليف.

الدليل العقلي المذكور ليس من أدلّة البراءة

واعلم : أنّ هذا الدليل العقليّ ـ كبعض ما تقدّم من الأدلّة النقليّة ـ معلّق على عدم تماميّة أدلّة الاحتياط ؛ فلا يثبت به إلاّ الأصل في مسألة البراءة ، ولا يعدّ من أدلّتها بحيث يعارض أخبار الاحتياط.

الاستدلال على البراءة بوجوهٍ غير ناهضة

وقد يستدل على البراءة بوجوه غير ناهضة :

منها : استصحاب البراءة المتيقّنة حال الصغر أو الجنون (١).

١ ـ استصحاب البراءة المتيقّنة

وفيه : أنّ الاستدلال مبنيّ على اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ ، فيدخل أصل البراءة بذلك في الأمارات الدالّة على الحكم الواقعيّ ، دون الاصول المثبتة للأحكام الظاهريّة. وسيجيء عدم اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ (٢) إن شاء الله.

وأمّا لو قلنا باعتباره من باب الأخبار الناهية عن نقض اليقين بالشكّ ، فلا ينفع في المقام ؛ لأنّ الثابت بها ترتّب اللوازم المجعولة الشرعية على المستصحب ، والمستصحب هنا ليس إلاّ براءة الذمّة من التكليف وعدم المنع من الفعل وعدم استحقاق العقاب عليه ، والمطلوب في الآن اللاحق هو القطع بعدم ترتّب العقاب على الفعل أو ما يستلزم ذلك ـ إذ لو لم يقطع بالعدم واحتمل العقاب (٣) احتاج إلى انضمام حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان إليه حتّى يأمن العقل من العقاب ،

__________________

(١) استدل بهذا الوجه صاحب الفصول في الفصول : ٣٥٢.

(٢) انظر مبحث الاستصحاب ٣ : ١٣ و ٨٧.

(٣) في (ظ) بدل «العقاب» : «الاستحقاق».

ومعه لا حاجة إلى الاستصحاب وملاحظة الحالة السابقة ـ ، ومن المعلوم أنّ المطلوب المذكور لا يترتّب على المستصحبات المذكورة ؛ لأنّ عدم استحقاق العقاب في الآخرة ليس من اللوازم المجعولة حتّى يحكم به الشارع في الظاهر.

وأمّا الإذن والترخيص في الفعل ، فهو وإن كان أمرا قابلا للجعل ويستلزم انتفاء العقاب واقعا ، إلاّ أنّ الإذن الشرعيّ ليس لازما شرعيّا للمستصحبات المذكورة ، بل هو من المقارنات ؛ حيث إنّ عدم المنع عن الفعل ـ بعد العلم إجمالا بعدم خلوّ فعل المكلّف عن أحد الأحكام الخمسة ـ لا ينفكّ عن كونه مرخّصا فيه ، فهو نظير إثبات وجود أحد الضدّين بنفي الآخر بأصالة العدم.

ومن هنا تبيّن : أنّ استدلال بعض من اعترف بما ذكرنا (١) ـ من عدم اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ وعدم إثباته إلاّ اللوازم الشرعيّة ـ في هذا المقام باستصحاب البراءة ، منظور فيه.

نعم ، من قال باعتباره من باب الظنّ ، أو أنّه يثبت بالاستصحاب (٢) من باب التعبّد كلّ ما لا ينفكّ عن المستصحب لو كان معلوم البقاء ولو لم يكن من اللوازم الشرعيّة ، فلا بأس بتمسّكه به.

مع أنّه يمكن النظر فيه ؛ بناء على ما سيجيء (٣) : من اشتراط العلم ببقاء الموضوع في الاستصحاب ، وموضوع البراءة في السابق ومناطها هو الصغير الغير القابل للتكليف ، فانسحابها في القابل أشبه بالقياس من

__________________

(١) كصاحب الفصول في الفصول : ٣٥٢ ، ٣٧٠ و ٣٧٧.

(٢) لم ترد «بالاستصحاب» في (ت) و (ظ) ، نعم ورد بدلها في (ت): «به».

(٣) انظر مبحث الاستصحاب ٣ : ٢٩١.