درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۲۶: برائت ۲۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

[أدلّة القول بالاحتياط](١)

احتجّ للقول الثاني ـ وهو وجوب الكفّ عمّا يحتمل الحرمة ـ بالأدلّة الثلاثة :

الاستدلال بالكتاب :

فمن الكتاب طائفتان :

١ ـ الآيات الناهية عن القول غير علم

إحداهما : ما دلّ على النهي عن القول بغير علم (٢) ؛ فإنّ الحكم بترخيص الشارع لمحتمل الحرمة قول عليه بغير علم وافتراء ؛ حيث إنّه لم يؤذن فيه.

ولا يرد ذلك على أهل الاحتياط ؛ لأنّهم لا يحكمون بالحرمة ، وإنّما يتركون لاحتمال الحرمة ، وهذا بخلاف الارتكاب ؛ فإنّه لا يكون إلاّ بعد الحكم بالرخصة والعمل على الإباحة.

٢ ـ الآيات الدالّة على لزوم الاحتياط والاتقاء

والاخرى : ما دلّ بظاهره على لزوم الاحتياط والاتّقاء والتورّع ، مثل ما ذكره الشهيد رحمه‌الله في الذكرى في خاتمة قضاء الفوائت (٣) ـ للدلالة على مشروعيّة الاحتياط في قضاء ما فعلت من الصلاة المحتملة للفساد ـ ، وهي قوله تعالى : ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾(٤) و ﴿جاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾(٥).

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) مثل قوله تعالى في سورة الإسراء : ٣٦﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ).

(٣) الذكرى (الطبعة الحجريّة) : ٢٣٨.

(٤) آل عمران : ١٠٢.

(٥) الحج : ٧٨.

أقول : ونحوهما في الدلالة على وجوب الاحتياط : ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾(١) ، وقوله تعالى : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾(٢) ، وقوله تعالى : ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾(٣).

والجواب :

الجواب عن آيات النهي عن القول بغير علم

أمّا عن الآيات الناهية عن القول بغير علم ـ مضافا إلى النقض بشبهة الوجوب والشبهة في الموضوع ـ : فبأنّ فعل الشيء المشتبه حكمه اتّكالا على قبح العقاب من غير بيان المتّفق عليه بين المجتهدين والأخباريين ، ليس من ذلك.

الجواب عن آيات الاحتياط

وأمّا عمّا عدا آية التهلكة : فبمنع منافاة الارتكاب للتقوى والمجاهدة ، مع أنّ غايتها الدلالة على الرجحان على ما استشهد به الشهيد رحمه‌الله (٤).

الاستدلال على وجوب الاحتياط بالنّة

وأمّا عن آية التهلكة : فبأنّ الهلاك بمعنى العقاب معلوم العدم ، وبمعنى غيره يكون الشبهة موضوعية لا يجب فيها الاجتناب بالاتّفاق.

ومن السنّة طوائف :

١ ـ الأخبار الداّلة على حرمة القول والعمل بغير علم والجواب عنها

إحداها : ما دلّ على حرمة القول والعمل بغير العلم(٥).

__________________

(١) التغابن : ١٦.

(٢) البقرة : ١٩٥.

(٣) النساء : ٥٩.

(٤) الذكرى ٢ : ٤٤٤.

(٥) انظر الوسائل ١٨ : ٩ و ٢٠ ، الباب ٤ و ٦ من أبواب صفات القاضي.

وقد ظهر جوابها ممّا ذكر في الآيات (١).

٢ ـ الأخبار الدالّة على وجوب التوقّف

والثانية : ما دلّ على وجوب التوقّف عند الشبهة وعدم العلم ، وهي لا تحصى كثرة.

وظاهر التوقّف المطلق السكون وعدم المضيّ ، فيكون كناية عن عدم الحركة بارتكاب الفعل ، وهو محصّل قوله عليه‌السلام في بعض تلك الأخبار : «الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (٢).

فلا يرد على الاستدلال (٣) : أنّ التوقّف في الحكم الواقعيّ مسلّم عند كلا الفريقين ، والإفتاء بالحكم الظاهريّ منعا أو ترخيصا مشترك كذلك ، والتوقّف في العمل لا معنى له.

فنذكر بعض تلك الأخبار تيمّنا :

مقبول ابن حنظلة

منها : مقبولة عمر بن حنظلة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، وفيها بعد ذكر المرجّحات : «إذا كان كذلك فأرجه حتّى تلقى إمامك ؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (٤).

صحيحة جميل ابن درّاج

ونحوها صحيحة جميل بن درّاج ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، وزاد فيها : «إنّ على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نورا ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه» (٥).

__________________

(١) راجع الصفحة السابقة.

(٢) الوسائل ١٨ : ٧٦ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث الأول.

(٣) تعريض بالفاضل النراقي وتضعيف لما ذكره في جواب الاستدلال ، انظر مناهج الأحكام : ٢١٤.

(٤) الوسائل ١٨ : ٦٧ ـ ٧٥ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث الأوّل.

(٥) الوسائل ١٨ : ٨٦ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٥.

روايات الزهري والسسكوني وعبد الأعلى

رواية أبي شبية

وفي روايات الزهريّ (١) ، والسكونيّ (٢) ، وعبد الأعلى (٣) : «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، وتركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه» ، ورواية أبي شيبة عن أحدهما عليهما‌السلام (٤) ، وموثّقة سعد بن زياد ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال : «لا تجامعوا في النكاح على الشبهة ، وقفوا عند الشبهة» ـ إلى أن قال ـ : «فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» (٥).

وتوهّم ظهور هذا الخبر المستفيض في الاستحباب ، مدفوع بملاحظة : أنّ الاقتحام في الهلكة لا خير فيه أصلا ، مع أنّ جعله تعليلا لوجوب الإرجاء في المقبولة وتمهيدا لوجوب طرح ما خالف الكتاب في الصحيحة ، قرينة على المطلوب.

فمساقه مساق قول القائل : «أترك الأكل يوما خير من أن امنع منه سنة» ، وقوله عليه‌السلام في مقام وجوب الصبر حتّى يتيقّن الوقت : «لأن اصلّي بعد الوقت أحبّ إليّ من أن اصلّي قبل الوقت» (٦) ، وقوله عليه‌السلام في مقام التقيّة : «لأن افطر يوما من شهر رمضان فأقضيه أحبّ إليّ من

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ١١٢ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢.

(٢) الوسائل ١٨ : ١٢٦ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥٠.

(٣) الوسائل ١٨ : ١٢٦ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، ذيل الحديث ٥٠.

(٤) الوسائل ١٨ : ١١٥ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٣.

(٥) الوسائل ١٨ : ١١٦ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٥ ، وفيه مسعدة بن زياد.

(٦) الوسائل ٣ : ١٢٤ ، الباب ١٣ من أبواب المواقيت ، الحديث ١١ ، مع تفاوت.