درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۲۹: برائت ۲۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

لا يحتمل فيها إلاّ غير العقاب من المضارّ ، والمفروض كون الأمر بالتوقّف فيها للإرشاد والتخويف عن تلك المضرّة المحتملة.

مفاد الأخبار المذكورة

وبالجملة : فمفاد هذه الأخبار بأسرها التحذير عن التهلكة (١) المحتملة ، فلا بدّ من إحراز احتمال التهلكة (٢) عقابا كانت أو غيره ، وعلى تقدير إحراز هذا الاحتمال لا إشكال ولا خلاف في وجوب التحرّز عنه إذا كان المحتمل عقابا ، واستحبابه إذا كان غيره ؛ فهذه الأخبار لا تنفع في إحداث هذا الاحتمال ولا في حكمه.

فإن قلت : إنّ المستفاد منها احتمال التهلكة في كلّ محتمل التكليف ، والمتبادر من التهلكة في الأحكام الشرعيّة الدينيّة هي الاخرويّة ، فتكشف هذه الأخبار عن عدم سقوط عقاب التكاليف المجهولة لأجل الجهل ، ولازم ذلك إيجاب الشارع للاحتياط (٣) ؛ إذ الاقتصار في العقاب على نفس التكاليف المختفية من دون تكليف ظاهريّ بالاحتياط قبيح.

قلت : إيجاب الاحتياط إن كان مقدّمة للتحرّز عن العقاب الواقعيّ فهو مستلزم لترتّب العقاب على التكليف المجهول ، وهو قبيح كما اعترف به ، وإن كان حكما ظاهريّا نفسيّا فالهلكة الاخروية مترتّبة على مخالفته لا مخالفة الواقع ، وصريح الأخبار إرادة الهلكة الموجودة في الواقع على تقدير الحرمة الواقعيّة.

هذا كلّه ، مضافا إلى دوران الأمر في هذه الأخبار بين حملها على

__________________

(١) في (ر) و (ص): «الهلكة».

(٢) في (ر) ، (ص) و (ظ): «الهلكة».

(٣) في (ر) و (ص): «الاحتياط».

ما ذكرنا ، وبين ارتكاب التخصيص فيها بإخراج الشبهة الوجوبيّة والموضوعيّة. وما ذكرنا أولى.

استعمال خيريّة الوقوف عند الشبهة في مقامين :

وحينئذ : فخيريّة الوقوف عند الشبهة من الاقتحام في الهلكة أعمّ من الرجحان المانع من النقيض ومن غير المانع منه ، فهي قضيّة تستعمل في المقامين ، وقد استعملها الأئمّة عليهم‌السلام كذلك.

١ ـ استعمالها في مقام لزوم التوقّف

فمن موارد استعمالها في مقام لزوم التوقّف : مقبولة عمر بن حنظلة (١) التي جعلت هذه القضيّة فيها علّة لوجوب التوقّف في الخبرين المتعارضين عند فقد المرجّح ، وصحيحة جميل ـ المتقدمة (٢) ـ التي جعلت القضيّة فيها تمهيدا لوجوب طرح ما خالف كتاب الله.

٢ ـ استعمالها في غير اللازم

ومن موارد استعمالها في غير اللازم : رواية الزهريّ المتقدّمة (٣) التي جعل القضيّة فيها تمهيدا لترك رواية الخبر الغير المعلوم صدوره أو دلالته ؛ فإنّ من المعلوم رجحان ذلك لا لزومه ، وموثّقة سعد بن زياد المتقدّمة (٤) التي فيها قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة» ؛ فإنّ مولانا الصادق عليه‌السلام فسّره في تلك الموثّقة بقوله عليه‌السلام : «إذا بلغك أنّك قد رضعت من لبنها أو أنّها لك محرم (٥) وما أشبه ذلك ، فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في

__________________

(١) المتقدّمة في الصفحة ٦٤.

(٢) تقدّمت في الصفحة ٦٤ ، أيضا.

(٣) تقدّمت في الصفحة ٦٥.

(٤) تقدّمت في الصفحة ٦٥ ، أيضا.

(٥) كذا في (ت) ، (ظ) والمصدر ، وفي غيرها : «محرّمة».

الهلكة ... الخبر» (١) ، ومن المعلوم أنّ الاحتراز عن نكاح ما في الرواية من النسوة المشتبهة ، غير لازم باتّفاق الأخباريّين ؛ لكونها شبهة موضوعيّة ، ولأصالة عدم تحقّق مانع النكاح.

الجواب عن أخبار التوقّف بوجوه غير تامّة

وقد يجاب عن أخبار التوقّف بوجوه غير خالية عن النظر :

الجواب الأوّل

منها : أنّ ظاهر أخبار التوقّف حرمة الحكم والفتوى من غير علم ، ونحن نقول بمقتضاها ، ولكنّا (٢) ندّعي علمنا بالحكم الظاهريّ وهي الإباحة ؛ لأدلّة البراءة (٣).

وفيه : أنّ المراد بالتوقّف ـ كما يشهد سياق تلك الأخبار وموارد أكثرها ـ هو التوقّف في العمل في مقابل المضيّ فيه على حسب الإرادة الذي هو الاقتحام في الهلكة ، لا التوقّف في الحكم. نعم ، قد يشمله من حيث كون الحكم عملا مشتبها ، لا من حيث كونه حكما في شبهة ، فوجوب التوقّف عبارة عن ترك العمل المشتبه الحكم.

الجواب الثاني

ومنها : أنّها ضعيفة السند (٤).

الجواب الثالث

ومنها : أنّها في مقام المنع من العمل بالقياس ، وأنه يجب التوقّف عن القول إذا لم يكن هنا نصّ عن أهل بيت الوحي عليهم‌السلام (٥).

__________________

(١) الوسائل ١٤ : ١٩٣ ، الباب ١٥٧ من أبواب مقدّمات النكاح ، الحديث ٢.

(٢) كذا في (ص) و (ظ) ، وفي غيرهما : «لكن».

(٣) هذا الجواب ذكره صاحب الفصول في الفصول : ٣٥٦ ، تبعا للمحقّق القمّي في القوانين ٢ : ٢١.

(٤) هذا الجواب مذكور في ضوابط الاصول : ٣٢٣.

(٥) هذا الجواب ذكره المحقّق القمّي في القوانين ٢ : ٢١.

وفي كلا الجوابين ما لا يخفى على من راجع تلك الأخبار.

جواب الرابع

ومنها : أنّها معارضة بأخبار البراءة ، وهي أقوى سندا ودلالة واعتضادا بالكتاب والسنة والعقل ، وغاية الأمر التكافؤ ، فيرجع إلى ما تعارض فيه النصّان ، والمختار فيه التخيير ، فيرجع إلى أصل البراءة (١).

وفيه : أنّ مقتضى أكثر أدلّة البراءة المتقدّمة ـ وهي جميع آيات الكتاب ، والعقل ، وأكثر السنّة ، وبعض تقريرات الإجماع ـ عدم استحقاق العقاب على مخالفة الحكم الذي لا يعلمه المكلّف ، ومن المعلوم أنّ هذا من مستقلاّت العقل الذي لا يدلّ أخبار التوقف ولا غيرها من الأدلة النقليّة على خلافه ، وإنّما يثبت أخبار التوقف ـ بعد الاعتراف (٢) بتماميّتها على ما هو المفروض ـ تكليفا ظاهريّا بوجوب الكفّ وترك المضيّ عند الشبهة ، والأدلّة المذكورة لا تنفي هذا المطلب ، فتلك الأدلّة بالنسبة إلى هذه الأخبار من قبيل الأصل بالنسبة إلى الدليل ، فلا معنى لأخذ الترجيح بينهما.

وما يبقى من السنّة من قبيل قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء مطلق» (٣) لا يكافئ أخبار التوقّف ؛ لكونها أكثر وأصحّ سندا.

وأمّا قوّة الدلالة في أخبار البراءة فلم يعلم.

وظهر (٤) أنّ الكتاب والعقل لا ينافي وجوب التوقّف.

__________________

(١) هذا الجواب أيضا ذكره المحقّق القمّي في القوانين ٢ : ٢٢.

(٢) في (ظ): «وإنّما تثبت بعد الاعتراف».

(٣) تقدّم الحديث في الصفحة ٤٣.

(٤) في (ت) ، (ر) و (ه): «وظاهر».