درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۳۱: برائت ۳۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

أن يكون شيئا محتمل الحرمة ، سواء كان عملا أم حكما أم اعتقادا ، فتأمّل.

والتحقيق في الجواب ما ذكرنا.

٣ ـ الأخبار الدالّة على وجوب الاحتياط

الثالثة : ما دلّ على وجوب الاحتياط ، وهي كثيرة :

صحيحة عبدالرحمن ابن الحجّاج

منها : صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج : «قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن رجلين أصابا صيدا وهما محرمان ، الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منهما جزاء؟ قال : بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما الصّيد ، قلت : إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه ، قال : إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه (١) وتعلموا» (٢).

موثّقة عبدالله ابن وضّاح

ومنها : موثّقة عبد الله بن وضّاح ـ على الأقوى ـ : «قال : كتبت إلى العبد الصالح : يتوارى القرص ويقبل الليل ويزيد الليل ارتفاعا وتستتر عنّا الشمس وترتفع فوق الجبل حمرة ويؤذّن عندنا المؤذّنون ، فاصلّي حينئذ وافطر إن كنت صائما ، أو أنتظر حتّى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟

فكتب عليه‌السلام إليّ (٣) : أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائطة لدينك» (٤).

فإنّ الظاهر أنّ قوله عليه‌السلام : «وتأخذ» بيان لمناط الحكم ، كما في

__________________

(١) «عنه» من المصدر.

(٢) الوسائل ١٨ : ١١١ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث الأوّل.

(٣) «إليّ» من المصدر.

(٤) الوسائل ٣ : ١٢٩ ، الباب ١٦ من أبواب المواقيت ، الحديث ١٤.

قولك للمخاطب : «أرى لك أن توفّي دينك وتخلّص نفسك» ، فيدلّ على لزوم الاحتياط مطلقا.

رواية الأمالي

ومنها : ما عن أمالي المفيد الثاني ـ ولد الشيخ قدس سرهما ـ بسند كالصحيح ، عن مولانا أبي الحسن الرضا عليه‌السلام : «قال : قال أمير المؤمنين عليه‌السلام لكميل بن زياد : أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت» (١). وليس في السند إلاّ عليّ بن محمد الكاتب الذي يروي عنه المفيد.

رواية عنوان البصري

ومنها : ما عن خطّ الشهيد ـ في حديث طويل ـ عن عنوان البصريّ ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام يقول فيه : «سل العلماء ما جهلت ، وإيّاك أن تسألهم تعنّتا وتجربة ، وإيّاك أن تعمل برأيك شيئا ، وخذ الاحتياط في جميع امورك ما تجد إليه سبيلا ، واهرب من الفتيا هربك من الأسد ، ولا تجعل رقبتك عتبة للنّاس» (٢).

ما أرمله الشهيد قدس‌سره

ومنها : ما أرسله الشهيد وحكي عن الفريقين ، من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ؛ فإنّك لن تجد فقد شيء تركته لله عزّ وجلّ» (٣).

ما أرسله الشهيد أيضاً

ومنها : ما أرسله الشهيد رحمه‌الله ـ أيضا ـ من قوله عليه‌السلام : «لك أن

__________________

(١) الأمالي : ١١٠ ، الحديث ١٦٨ ، والوسائل ١٨ : ١٢٣ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤١.

(٢) الوسائل ١٨ : ١٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥٤.

(٣) انظر الذكرى ٢ : ٤٤٤ ، والوسائل ١٨ : ١٢٤ و ١٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٧ و ٥٦ ، وسنن النسائي ٨ : ٢٣٠ ، وكنز العمال ٣ : ٤٢٩ ، الحديث ٧٢٩٧.

تنظر الحزم وتأخذ بالحائطة لدينك» (١).

ما اُرسل عنهم عليه‌السلام

ومنها : ما ارسل أيضا عنهم (٢) عليهم‌السلام : «ليس بناكب عن الصّراط من سلك سبيل الاحتياط» (٣).

والجواب عن صحيحة عبدالرحمن ابن الحجّاج

والجواب : أمّا عن الصحيحة : فبعدم الدلالة ؛ لأنّ المشار إليه في قوله عليه‌السلام : «بمثل هذا» إمّا نفس واقعة الصيد ، وإمّا أن يكون السؤال عن حكمها.

وعلى الأوّل : فإن جعلنا المورد من قبيل الشكّ في التكليف ، بمعنى أنّ وجوب نصف الجزاء على كلّ واحد متيقّن ويشكّ في وجوب النصف الآخر عليه ، فيكون من قبيل وجوب أداء الدين المردّد بين الأقلّ والأكثر وقضاء الفوائت المردّدة ، والاحتياط في مثل هذا غير لازم بالاتّفاق ؛ لأنّه شكّ في الوجوب.

وعلى تقدير قولنا بوجوب الاحتياط في مورد الرواية وأمثاله ممّا ثبت التكليف فيه في الجملة ـ لأجل هذه الصحيحة وغيرها ـ لم يكن ما نحن فيه من الشبهة مماثلا له ؛ لعدم ثبوت التكليف فيه رأسا.

وإن جعلنا المورد من قبيل الشكّ في متعلّق التكليف وهو المكلّف به ـ لكون الأقلّ على تقدير وجوب الأكثر غير واجب بالاستقلال ،

__________________

(١) انظر الذكرى ٢ : ٤٤٥ ، والوسائل ١٨ : ١٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥٨.

(٢) في (ت) ، (ر) و (ص): «ما أرسله عنهم».

(٣) لم نعثر عليه في المجاميع الحديثيّة ، نعم رواه المحدّث البحراني في الحدائق ١ : ٧٦.

نظير وجوب التسليم في الصلاة ـ فالاحتياط هنا وإن كان مذهب جماعة من المجتهدين (١) أيضا ، إلاّ أنّ ما نحن فيه من الشبهة الحكميّة التحريميّة ليس مثلا لمورد الرواية ؛ لأنّ الشكّ فيه في أصل التكليف.

هذا ، مع أنّ ظاهر الرواية التمكّن من استعلام حكم الواقعة بالسؤال والتعلّم فيما بعد ، ولا مضايقة عن القول بوجوب الاحتياط في هذه الواقعة الشخصيّة حتّى يتعلّم المسألة لما يستقبل من الوقائع.

ومنه يظهر : أنّه إن كان المشار إليه ب «هذا» هو السؤال عن حكم الواقعة ، كما هو الثاني من شقيّ الترديد : فإن اريد بالاحتياط فيه الإفتاء (٢) بالاحتياط لم ينفع فيما نحن فيه ، وإن اريد من الاحتياط الاحتراز عن الفتوى فيها أصلا حتّى بالاحتياط ، فكذلك.

الجواب عن موثّقة عبدالله ابن وضّاح

وأمّا عن الموثّقة : فبأنّ ظاهرها الاستحباب ، والظاهر أنّ مراده الاحتياط من حيث الشبهة الموضوعية ـ لاحتمال عدم استتار القرص وكون الحمرة المرتفعة أمارة عليها ـ ؛ لأنّ إرادة الاحتياط في الشبهة الحكميّة بعيدة عن منصب الإمام عليه‌السلام ؛ لأنّه لا يقرّر الجاهل بالحكم على جهله ، ولا ريب أنّ الانتظار مع الشكّ في الاستتار واجب ؛ لأنّه مقتضى استصحاب عدم الليل ، والاشتغال بالصوم ، وقاعدة الاشتغال بالصلاة.

فالمخاطب بالأخذ بالحائطة هو الشاكّ في براءة ذمّته عن الصوم والصلاة ، ويتعدّى منه إلى كلّ شاكّ في براءة ذمّته عمّا يجب عليه

__________________

(١) سيأتي ذكرهم في الصفحة ٣١٦.

(٢) في (ت) و (ه) زيادة : «فيه».