درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۳۶: برائت ۳۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

العلم ولا الظنّ بالبراءة من جميع المحرّمات.

نعم ، لو اعتبر الشارع البيّنة في المقام ، بمعنى أنّه أمر بتشخيص المحرّمات المعلومة وجودا وعدما بهذا الطريق ، رجع التكليف إلى وجوب اجتناب ما قامت (١) عليه البيّنة ، لا الحرام الواقعيّ.

والجواب عن هذا الوجه

والجواب : أوّلا : منع تعلّق تكليف غير القادر على تحصيل العلم إلاّ بما أدّى إليه الطرق الغير العلميّة المنصوبة له ، فهو مكلّف بالواقع بحسب تأدية هذه الطرق ، لا بالواقع من حيث هو ، ولا بمؤدّى هذه الطرق من حيث هو حتّى يلزم التصويب أو ما يشبهه ؛ لأنّ ما ذكرناه هو المتحصّل من ثبوت الأحكام الواقعيّة للعالم وغيره وثبوت التكليف بالعمل بالطرق ، وتوضيحه في محلّه ، وحينئذ : فلا يكون ما شكّ في تحريمه ممّا هو مكلّف به فعلا على تقدير حرمته واقعا.

وثانيا : سلّمنا التكليف الفعليّ بالمحرّمات الواقعيّة ، إلاّ أنّ من المقرّر في الشبهة المحصورة ـ كما سيجيء (٢) إن شاء الله تعالى ـ أنّه إذا ثبت في المشتبهات (٣) المحصورة وجوب الاجتناب عن جملة منها لدليل آخر غير التكليف المتعلّق بالمعلوم الإجماليّ ، اقتصر في الاجتناب على ذلك القدر ؛ لاحتمال كون المعلوم الإجماليّ هو هذا المقدار المعلوم حرمته تفصيلا ، فأصالة الحلّ في البعض الآخر غير معارضة بالمثل ، سواء كان

__________________

(١) في النسخ : «قام».

(٢) انظر الصفحة ٢٣٣.

(٣) كذا في (ه) ، وفي (ت) ، (ر) و (ص): «الشبهات».

ذلك الدليل سابقا على العلم الإجماليّ ـ كما إذا علم نجاسة أحد الإناءين تفصيلا فوقع قذرة في أحدهما المجهول ، فإنّه لا يجب الاجتناب عن الآخر ؛ لأنّ حرمة أحدهما معلومة تفصيلا ـ أم كان لاحقا ، كما في مثال الغنم المذكور ؛ فإنّ العلم الإجماليّ غير ثابت بعد العلم التفصيلي بحرمة بعضها بواسطة وجوب العمل بالبيّنة ، وسيجيء توضيحه إن شاء الله تعالى ، وما نحن فيه من هذا القبيل.

٢ ـ أصالة الحظر في الأفعال

الوجه الثاني :

أنّ الأصل في الأفعال الغير الضرورية الحظر ، كما نسب إلى طائفة من الإماميّة (١) ، فيعمل به حتّى يثبت من الشرع الإباحة ، ولم يرد الإباحة في ما لا نصّ فيه. وما ورد ـ على تقدير تسليم دلالته ـ معارض بما ورد من الأمر بالتوقّف والاحتياط ، فالمرجع إلى الأصل.

ولو تنزّلنا عن ذلك فالوقف ، كما عليه الشيخان قدس سرهما (٢). واحتجّ عليه في العدّة : بأنّ الإقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالإقدام على ما يعلم فيه المفسدة (٣).

وقد جزم بهذه القضيّة السيّد أبو المكارم في الغنية (٤) ، وإن قال

__________________

(١) نسبه إليهم المحقّق في المعارج : ٢٠٣.

(٢) انظر التذكرة باصول الفقه (مصنّفات الشيخ المفيد) ٩ : ٤٣ ، والعدّة ٢ : ٧٤٢.

(٣) العدّة ٢ : ٧٤٢

(٤) الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٧٦ ـ ٤٧٧.

بالإباحة (١)(٢) كالسيّد المرتضى رحمه‌الله (٣) ؛ تعويلا على قاعدة «اللطف» ، وأنّه لو كان في الفعل مفسدة لوجب على الحكيم بيانه.

لكن ردّها في العدّة : بأنّه قد يكون المفسدة في الإعلام ويكون المصلحة في كون الفعل (٤) على الوقف (٥).

والجواب عن هذا الوجه أيضا

والجواب : بعد تسليم استقلال العقل بدفع الضرر ، أنّه : إن اريد ما يتعلّق بأمر الآخرة من العقاب ، فيجب على الحكيم تعالى بيانه ، فهو مع عدم البيان مأمون.

وإن اريد غيره ممّا لا يدخل في عنوان المؤاخذة من اللوازم المترتّبة مع الجهل أيضا ، فوجوب دفعها غير لازم عقلا ؛ إذ العقل لا يحكم بوجوب الاحتراز عن الضرر الدنيويّ المقطوع إذا كان لبعض الدواعي النفسانيّة ، وقد جوّز الشارع بل أمر به في بعض الموارد. وعلى تقدير الاستقلال فليس ممّا يترتّب عليه العقاب ؛ لكونه من باب الشبهة الموضوعيّة ـ لأنّ المحرّم هو مفهوم الإضرار ، وصدقه في هذا المقام مشكوك ، كصدق المسكر المعلوم التحريم على هذا المائع الخاصّ ـ ، والشبهة الموضوعيّة لا يجب الاجتناب عنها باتّفاق الأخباريّين أيضا ،

__________________

(١) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «بأصالة الإباحة».

(٢) الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٨٦.

(٣) الذريعة ٢ : ٨٠٩ ـ ٨١٢.

(٤) في (ظ): «العقل».

(٥) العدّة ٢ : ٧٤٢ ـ ٧٤٣.

وسيجيء تتمّة الكلام في الشبهة الموضوعيّة (١) إن شاء الله.

__________________

(١) انظر الصفحة ١٢٢ ـ ١٢٦.