درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۳۸: برائت ۳۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

لعموم البلوى بها ، فإذا لم يظفر بحديث دلّ على ذلك الحكم ينبغي أن يحكم قطعا عاديّا بعدمه ؛ لأنّ جمّا غفيرا من أفاضل علمائنا ـ أربعة آلاف منهم تلامذة الصادق عليه‌السلام ، كما في المعتبر (١) ـ كانوا ملازمين لأئمّتنا عليهم‌السلام في مدّة تزيد على ثلاثمائة سنة ، وكان هممهم وهمّ الأئمّة عليهم‌السلام إظهار الدين عندهم وتأليفهم كلّ ما يسمعون منهم في الاصول ؛ لئلاّ يحتاج الشيعة إلى سلوك طريق العامّة ، ولتعمل (٢) بما في تلك الاصول في زمان الغيبة الكبرى ؛ فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة عليهم‌السلام لم يضيّعوا من في أصلاب الرجال من شيعتهم ، كما في الروايات المتقدّمة ، ففي مثل تلك الصورة يجوز التمسّك بأنّ نفي ظهور دليل على حكم مخالف للأصل دليل على عدم ذلك الحكم في الواقع.

إلى أن قال :

ولا يجوز التمسّك به في غير المسألة المفروضة ، إلاّ عند العامّة القائلين بأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أظهر عند أصحابه كلّ ما جاء به ، وتوفّرت الدواعي على جهة واحدة على نشره ، وما خصّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أحدا بتعليم شيء لم يظهره عند غيره ، ولم يقع بعده ما اقتضى اختفاء ما جاء به (٣) ، انتهى.

المناقشة فيما أفاده المحقّق قدس‌سره

أقول : المراد بالدليل المصحّح للتكليف ـ حتّى لا يلزم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به ـ هو ما تيسّر للمكلّف الوصول إليه

__________________

(١) المعتبر ١ : ٢٦.

(٢) كذا في المصدر ، وفي (ت) ، (ر) ، (ص) و (ه): «وليعمل» ، وفي (ظ) : «ويعمل».

(٣) الفوائد المدنيّة : ١٤٠ ـ ١٤١.

والاستفادة منه ، فلا فرق بين ما لم يكن في الواقع دليل شاف (١) أصلا ، أو كان ولم يتمكّن المكلّف من الوصول إليه ، أو تمكّن لكن بمشقّة رافعة للتكليف ، أو تيسّر ولم يتمّ دلالته في نظر المستدلّ ؛ فإنّ الحكم الفعليّ في جميع هذه الصور قبيح على ما صرّح به المحقّق قدس‌سره في كلامه السابق (٢) ، سواء قلنا بأنّ وراء الحكم الفعليّ حكما آخر ـ يسمّى حكما واقعيّا و (٣) حكما شأنيّا ـ على ما هو مقتضى مذهب المخطّئة ، أم قلنا بأنّه ليس وراءه حكم آخر ؛ للاتّفاق على أنّ مناط الثواب والعقاب ومدار التكليف هو الحكم الفعليّ.

وحينئذ : فكلّ ما تتبّع المستنبط في الأدلّة الشرعيّة في نظره إلى أن علم من نفسه عدم تكليفه بأزيد من هذا المقدار من التتبّع ، ولم يجد فيها ما يدلّ على حكم مخالف للأصل ، صحّ له دعوى القطع بانتفاء الحكم الفعليّ.

ولا فرق في ذلك بين العامّ (٤) البلوى وغيره ، ولا بين العامّة والخاصّة ، ولا بين المخطّئة والمصوّبة ، ولا بين المجتهدين والأخباريّين ، ولا بين أحكام الشرع وغيرها من أحكام سائر الشرائع وسائر الموالي بالنسبة إلى عبيدهم.

هذا بالنسبة إلى الحكم الفعليّ ، وأمّا بالنسبة إلى الحكم الواقعيّ

__________________

(١) في (ر) و (ظ): «شأنيّ».

(٢) في الصفحة ٩٤.

(٣) في (ت) و (ه): «أو».

(٤) في (ظ): «عامّ».

النازل به جبرئيل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ لو سمّيناه حكما بالنسبة إلى الكلّ ـ فلا يجوز الاستدلال على نفيه بما ذكره المحقّق قدس‌سره (١) : من لزوم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به ؛ لأنّ المفروض عدم إناطة التكليف به.

نعم ، قد يظنّ من عدم وجدان الدليل عليه بعدمه ؛ بعموم (٢) البلوى به لا بمجرّده ، بل مع ظنّ عدم المانع عن نشره في أوّل الأمر من الشارع أو خلفائه أو من وصل إليه.

لكن هذا الظنّ لا دليل على اعتباره ، ولا دخل له بأصل البراءة التي هي من الأدلّة العقليّة ، ولا بمسألة التكليف بما لا يطاق ، ولا بكلام المحقّق.

فما تخيّله المحدّث تحقيقا لكلام المحقّق ـ مع أنّه غير تامّ في نفسه ـ أجنبيّ عنه بالمرّة.

نعم ، قد يستفاد من استصحاب البراءة السابقة : الظنّ بها فيما بعد الشرع ـ كما سيجيء عن بعضهم (٣) ـ لكن لا من باب لزوم التكليف بما لا يطاق الذي ذكره المحقّق.

ومن هنا يعلم : أنّ تغاير القسمين الأوّلين من الاستصحاب (٤) باعتبار كيفيّة الاستدلال ؛ حيث إنّ مناط الاستدلال في هذا القسم

__________________

(١) ذكره في كلامه المتقدّم عن المعارج في الصفحة ٩٤.

(٢) في (ص) و (ظ): «لعموم».

(٣) انظر الصفحة ٩٩.

(٤) في (ر) زيادة : «في كلامه».

الملازمة بين عدم الدليل وعدم الحكم مع قطع النظر عن ملاحظة الحالة السابقة ، فجعله من أقسام الاستصحاب مبنيّ على إرادة مطلق الحكم على طبق الحالة السابقة عند الشكّ ولو لدليل آخر غير الاتّكال على الحالة السابقة ، فيجري فيما لم يعلم فيه الحالة السابقة ، ومناط الاستدلال في القسم الأوّل ملاحظة الحالة السابقة حتّى مع عدم العلم بعدم الدليل على الحكم.

ويشهد لما ذكرنا ، من المغايرة الاعتباريّة : أنّ الشيخ لم يقل بوجوب مضيّ المتيمّم الواجد للماء في أثناء صلاته لأجل الاستصحاب ، وقال به لأجل أنّ عدم الدليل دليل العدم (١).

نعم ، هذا القسم الثاني أعمّ موردا من الأوّل ؛ لجريانه في الأحكام العقليّة وغيرها ، كما ذكره جماعة من الاصوليّين (٢).

والحاصل : أنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ بناء المحقّق قدس‌سره على التمسّك بالبراءة الأصليّة مع الشكّ في الحرمة ، كما يظهر من تتبّع فتاويه في المعتبر (٣).

__________________

(١) العدّة ٢ : ٧٥٦.

(٢) انظر الفصول : ٣٥١ ، والقوانين ٢ : ١٣.

(٣) انظر المعتبر ١ : ٢٥٢ ، ٣٣٥ ، ٣٥٨ ، ٣٥٩ و ٤٦٢.