درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۳۹: برائت ۳۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

النازل به جبرئيل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ لو سمّيناه حكما بالنسبة إلى الكلّ ـ فلا يجوز الاستدلال على نفيه بما ذكره المحقّق قدس‌سره (١) : من لزوم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به ؛ لأنّ المفروض عدم إناطة التكليف به.

نعم ، قد يظنّ من عدم وجدان الدليل عليه بعدمه ؛ بعموم (٢) البلوى به لا بمجرّده ، بل مع ظنّ عدم المانع عن نشره في أوّل الأمر من الشارع أو خلفائه أو من وصل إليه.

لكن هذا الظنّ لا دليل على اعتباره ، ولا دخل له بأصل البراءة التي هي من الأدلّة العقليّة ، ولا بمسألة التكليف بما لا يطاق ، ولا بكلام المحقّق.

فما تخيّله المحدّث تحقيقا لكلام المحقّق ـ مع أنّه غير تامّ في نفسه ـ أجنبيّ عنه بالمرّة.

نعم ، قد يستفاد من استصحاب البراءة السابقة : الظنّ بها فيما بعد الشرع ـ كما سيجيء عن بعضهم (٣) ـ لكن لا من باب لزوم التكليف بما لا يطاق الذي ذكره المحقّق.

ومن هنا يعلم : أنّ تغاير القسمين الأوّلين من الاستصحاب (٤) باعتبار كيفيّة الاستدلال ؛ حيث إنّ مناط الاستدلال في هذا القسم

__________________

(١) ذكره في كلامه المتقدّم عن المعارج في الصفحة ٩٤.

(٢) في (ص) و (ظ): «لعموم».

(٣) انظر الصفحة ٩٩.

(٤) في (ر) زيادة : «في كلامه».

الملازمة بين عدم الدليل وعدم الحكم مع قطع النظر عن ملاحظة الحالة السابقة ، فجعله من أقسام الاستصحاب مبنيّ على إرادة مطلق الحكم على طبق الحالة السابقة عند الشكّ ولو لدليل آخر غير الاتّكال على الحالة السابقة ، فيجري فيما لم يعلم فيه الحالة السابقة ، ومناط الاستدلال في القسم الأوّل ملاحظة الحالة السابقة حتّى مع عدم العلم بعدم الدليل على الحكم.

ويشهد لما ذكرنا ، من المغايرة الاعتباريّة : أنّ الشيخ لم يقل بوجوب مضيّ المتيمّم الواجد للماء في أثناء صلاته لأجل الاستصحاب ، وقال به لأجل أنّ عدم الدليل دليل العدم (١).

نعم ، هذا القسم الثاني أعمّ موردا من الأوّل ؛ لجريانه في الأحكام العقليّة وغيرها ، كما ذكره جماعة من الاصوليّين (٢).

والحاصل : أنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ بناء المحقّق قدس‌سره على التمسّك بالبراءة الأصليّة مع الشكّ في الحرمة ، كما يظهر من تتبّع فتاويه في المعتبر (٣).

__________________

(١) العدّة ٢ : ٧٥٦.

(٢) انظر الفصول : ٣٥١ ، والقوانين ٢ : ١٣.

(٣) انظر المعتبر ١ : ٢٥٢ ، ٣٣٥ ، ٣٥٨ ، ٣٥٩ و ٤٦٢.

الثاني

هل أنّ أصالة الإباحة من الأدلّة الظنّية أو من الاصول؟

مقتضى الأدلّة المتقدّمة : كون الحكم الظاهريّ في الفعل المشتبه الحكم هي الإباحة من غير ملاحظة الظنّ بعدم تحريمه في الواقع ، فهذا الأصل يفيد القطع بعدم اشتغال الذمّة ، لا الظنّ بعدم الحكم واقعا ، ولو أفاده لم يكن معتبرا.

إلاّ أنّ الذي يظهر من جماعة كونه من الأدلّة الظنّيّة ، منهم صاحب المعالم عند دفع الاعتراض عن بعض مقدّمات الدليل الرابع الذي ذكره لحجّية خبر الواحد (١) ، ومنهم شيخنا البهائيّ قدس‌سره (٢) ، ولعلّ هذا هو المشهور بين الاصوليّين ؛ حيث لا يتمسّكون فيه إلاّ باستصحاب البراءة السابقة (٣) ، بل ظاهر المحقّق رحمه‌الله في المعارج الإطباق على التمسّك بالبراءة الأصليّة حتّى يثبت الناقل (٤) ، وظاهره أنّ اعتمادهم في الحكم

__________________

(١) المعالم : ١٩٤.

(٢) الزبدة : ٥٨.

(٣) انظر المعتبر ١ : ٣٢ ، والقواعد والفوائد ١ : ١٣٢ ، وتمهيد القواعد : ٢٧١.

(٤) المعارج : ٢٠٨.

بالبراءة على كونها هي الحالة السابقة الأصليّة.

والتحقيق : أنّه لو فرض حصول الظنّ من الحالة السابقة فلا يعتبر ، والإجماع ليس على اعتبار هذا الظنّ ، وإنّما هو على العمل على طبق الحالة السابقة ، ولا يحتاج إليه بعد قيام الأخبار المتقدّمة (١) وحكم العقل.

__________________

(١) أي : أخبار البراءة المتقدّمة في الصفحة ٢٨ و ٤١ ـ ٤٥.

الثالث

هل أنّ أوامر الاحتياط للاستحباب أو للإرشاد؟

لا إشكال في رجحان الاحتياط عقلا ونقلا ، كما يستفاد من الأخبار المذكورة وغيرها (١).

وهل الأوامر الشرعيّة للاستحباب ، فيثاب عليه وإن لم يحصل به الاجتناب عن الحرام الواقعيّ ، أو غيريّ بمعنى كونه مطلوبا لأجل التحرّز عن الهلكة المحتملة والاطمئنان بعدم وقوعه فيها ، فيكون الأمر به إرشاديا لا يترتّب على موافقته ومخالفته سوى الخاصيّة المترتّبة على الفعل أو الترك ، نظير أوامر الطبيب ، ونظير الأمر بالإشهاد عند المعاملة لئلاّ يقع التنازع؟ وجهان :

الظاهر كونها للإرشاد

من ظاهر الأمر بعد فرض عدم إرادة الوجوب.

ومن سياق جلّ الأخبار الواردة في ذلك ؛ فإنّ الظاهر كونها مؤكّدة لحكم العقل بالاحتياط.

والظاهر (٢) أنّ حكم العقل بالاحتياط من حيث هو احتياط ـ على

__________________

(١) أي : أخبار التوقّف والاحتياط والتثليث.

(٢) في (ص): «وظاهر».

تقدير (١) كونه إلزاميّا ـ لمحض الاطمئنان ودفع احتمال العقاب ، وكما أنّه إذا تيقّن بالضرر يكون إلزام. العقل لمحض الفرار عن العقاب المتيقّن ، فكذلك طلبه الغير الإلزاميّ إذا احتمل الضرر.

بل ، وكما أنّ أمر الشارع بالإطاعة في قوله تعالى : ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾(٢) لمحض الإرشاد ؛ لئلاّ يقع العبد في عقاب المعصية ويفوته ثواب الطاعة ، ولا يترتّب على مخالفته سوى ذلك ، فكذلك أمره بالأخذ بما يأمن معه من الضرر ، و (٣) لا يترتّب على موافقته سوى الأمان المذكور ، ولا على مخالفته سوى الوقوع في الحرام الواقعيّ على تقدير تحقّقه.

ما يشهد لكونها للإشاد

ويشهد لما ذكرنا : أنّ ظاهر الأخبار حصر حكمة الاجتناب عن الشبهة في التفصّي عن الهلكة الواقعيّة لئلاّ يقع فيها من حيث لا يعلم.

واقترانه مع الاجتناب عن الحرام المعلوم في كونه ورعا ، ومن المعلوم أنّ الأمر باجتناب المحرّمات في هذه الأخبار ليس إلاّ للإرشاد ، لا يترتّب على موافقتها ومخالفتها سوى الخاصيّة الموجودة في المأمور به ـ وهو الاجتناب عن الحرام ـ أو فوتها ، فكذلك الأمر باجتناب الشبهة لا يترتّب على موافقته سوى ما يترتّب على نفس الاجتناب لو لم يأمر به الشارع ، بل فعله المكلّف حذرا من الوقوع في الحرام (٤).

__________________

(١) في (ت) زيادة : «عدم».

(٢) الأنفال : ٢٠.

(٣) لم ترد «و» في (ر) و (ص).

(٤) في هامش (ت) و (ص) زيادة : «هذا كلّه بالنظر إلى الأمر بالاحتياط ، وأمّا