درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۴۱: برائت ۴۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الأعمّ من محتمل التحريم ومحتمل الوجوب ، مثل وجوب السورة أو وجوب الجزاء المردّد بين نصف الصيد وكلّه.

الفرق بين الحرمة الظاهريّة والواقعيّة

وأمّا الحرمة الظاهريّة والواقعيّة ، فيحتمل الفرق بينهما : بأنّ المعبّر بالاولى قد لاحظ الحرمة من حيث عروضها لموضوع محكوم بحكم واقعيّ ، فالحرمة ظاهريّة. والمعبّر بالثانية قد لاحظها من حيث عروضها لمشتبه الحكم ، وهو موضوع من الموضوعات الواقعيّة ، فالحرمة واقعيّة. أو بملاحظة أنّه إذا منع الشارع المكلّف ـ من حيث إنّه جاهل بالحكم ـ من الفعل ، فلا يعقل إباحته له واقعا ؛ لأنّ معنى الإباحة الإذن والترخيص ، فتأمّل.

احتمال آخر في الفرق

ويحتمل الفرق : بأنّ القائل بالحرمة الظاهريّة يحتمل أن يكون الحكم في الواقع هي الإباحة ، إلاّ أنّ أدلّة الاجتناب عن الشبهات حرّمتها ظاهرا ، والقائل بالحرمة الواقعيّة إنّما يتمسّك في ذلك بأصالة الحظر في الأشياء ، من باب قبح التصرّف في ما يختصّ بالغير بغير إذنه.

احتمال ثالثُ في الفرق

ويحتمل الفرق : بأنّ معنى الحرمة الظاهريّة حرمة الشيء في الظاهر فيعاقب عليه مطلقا وإن كان مباحا في الواقع ، والقائل بالحرمة الواقعيّة يقول : بأنّه لا حرمة ظاهرا أصلا ، فإن كان في الواقع حراما استحقّ المؤاخذة عليه وإلاّ فلا ، وليس معناها أنّ المشتبه حرام واقعا ، بل معناه أنّه ليس فيه إلاّ الحرمة الواقعيّة على تقدير ثبوتها ، فإنّ هذا أحد الأقوال للأخباريّين في المسألة على ما ذكره العلاّمة الوحيد ـ المتقدّم (١) ـ

__________________

(١) أي : الوحيد البهبهاني.

في موضع آخر ، حيث قال ـ بعد ردّ خبر التثليث المتقدّم (١) : بأنّه لا يدلّ على الحظر أو وجوب التوقّف ، بل مقتضاه أنّ من ارتكب الشبهة واتّفق كونها (٢) حراما في الواقع يهلك لا مطلقا ـ : ويخطر بخاطري أنّ من الأخباريّين من يقول بهذا المعنى (٣) ، انتهى.

أوامر الاحتياط إرشاديّة

ولعلّ هذا القائل اعتمد في ذلك على ما ذكرنا سابقا (٤) : من أنّ الأمر العقليّ والنقليّ بالاحتياط للإرشاد ، من قبيل أوامر الطبيب لا يترتّب على موافقتها ومخالفتها عدا ما يترتّب على نفس الفعل المأمور به أو تركه لو لم يكن أمر. نعم ، الإرشاد على مذهب هذا الشخص على وجه اللزوم ـ كما في بعض أوامر الطبيب ـ لا للأولويّة كما اختاره القائلون بالبراءة. وأمّا ما يترتّب على نفس الاحتياط فليس إلاّ التخلّص عن الهلاك المحتمل في الفعل.

نعم ، فاعله يستحقّ المدح من حيث تركه لما يحتمل أن يكون تركه مطلوبا عند المولى ، ففيه نوع من الانقياد ، ويستحقّ عليه المدح والثواب. وأمّا تركه فليس فيه إلاّ التجرّي بارتكاب ما يحتمل أن يكون مبغوضا للمولى ، ولا دليل على حرمة التجرّي على هذا الوجه واستحقاق العقاب عليه. بل عرفت في مسألة حجّية العلم (٥) : المناقشة

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٨٢.

(٢) كذا في (ص) ، وفي غيرها : «كونه».

(٣) انظر الفوائد الحائريّة : ٢٤٢ ، ولكن ليست هذه العبارة «ويخطر بخاطري ...» في نسختنا من الفوائد.

(٤) راجع الصفحة ٦٩.

(٥) راجع مبحث القطع ١ : ٤٥.

في حرمة التجرّي بما هو أعظم من ذلك ، كأن يكون الشيء مقطوع الحرمة بالجهل المركّب ، ولا يلزم من تسليم استحقاق الثواب على الانقياد بفعل الاحتياط ، استحقاق العقاب بترك الاحتياط والتجرّي بالإقدام (١) على ما يحتمل. كونه مبغوضا. وسيأتي تتمّة توضيح ذلك في الشبهة المحصورة إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) في (ت) و (ه): «في الإقدام».

الخامس

أصل الإباحة إنّما هو مع عدم أصل موضوعيّ حاكم عليه

أنّ أصالة الإباحة في مشتبه الحكم إنّما هو مع عدم أصل موضوعيّ حاكم عليها ، فلو شكّ في حلّ أكل حيوان مع العلم بقبوله التذكية جرى أصالة الحلّ ، وإن شكّ فيه من جهة الشكّ في قبوله للتذكية فالحكم الحرمة ؛ لأصالة عدم التذكية : لأنّ من شرائطها قابليّة المحلّ ، وهي مشكوكة ، فيحكم بعدمها وكون الحيوان ميتة.

ما يظهر من المحقّق والشهيد الثانيين في حيوان متولّد من طاهر ونجس والمناقشة في ذلك

ويظهر من المحقّق والشهيد الثانيين (١) قدس سرهما فيما إذا شكّ في حيوان متولّد من طاهر ونجس لا يتبعهما في الاسم وليس له مماثل : أنّ الأصل فيه الطهارة والحرمة.

فإن كان الوجه فيه أصالة عدم التذكية ، فإنّما يحسن مع الشكّ في قبول التذكية وعدم عموم يدلّ على جواز تذكية كلّ حيوان إلاّ ما خرج ، كما ادّعاه بعض (٢).

__________________

(١) انظر جامع المقاصد ١ : ١٦٦ ، الروضة البهيّة ١ : ٢٨٥ ـ ٢٨٦ ، وتمهيد القواعد : ٢٧٠.

(٢) ادّعاه السيّد المرتضى في الناصريّات : ٩٩ ، وانظر مفاتيح الشرائع ١ : ٦٩ ـ ٧٠ ، ومفاتيح الاصول : ٥٣٤.

وإن كان الوجه فيه أصالة حرمة أكل (١) لحمه قبل التذكية ، ففيه : أنّ الحرمة قبل التذكية لأجل كونه من الميتة ، فإذا فرض إثبات جواز تذكيته خرج عن الميتة ، فيحتاج حرمته إلى موضوع آخر. ولو شكّ في قبول التذكية رجع إلى الوجه السابق ، وكيف كان : فلا يعرف وجه لرفع اليد عن أصالة الحلّ والإباحة.

ما ذكره شارح الروضة في المسألة والمناقشة فيه

نعم ، ذكر شارح الروضة ـ هنا (٢) ـ وجها آخر ، ونقله بعض محشّيها (٣) عن الشهيد في تمهيد القواعد (٤). قال شارح الروضة : إنّ كلاّ من النجاسات والمحلّلات محصورة ، فإذا لم يدخل في المحصور منها كان الأصل طهارته وحرمة لحمه ، وهو ظاهر (٥) ، انتهى.

المناقشة فيما ذكره شارح الروضة

ويمكن منع حصر المحلّلات ، بل المحرّمات محصورة ، والعقل والنقل دلّ على إباحة ما لم يعلم حرمته ؛ ولذا يتمسّكون كثيرا بأصالة الحلّ في باب الأطعمة والأشربة.

ولو قيل : إنّ الحلّ إنّما علّق بالطيّبات (٦) في قوله تعالى : ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾(٧) المفيد للحصر في مقام الجواب عن الاستفهام ، فكلّ ما

__________________

(١) لم ترد «أكل» في (ر) و (ظ).

(٢) لم ترد «هنا» في (ر) و (ظ).

(٣) لعلّه الشيخ علي ، انظر الروضة البهيّة بخطّ عبد الرحيم ، طبعة المكتبة العلمية الإسلامية ، الصفحة ٢١.

(٤) تمهيد القواعد : ٢٧٠ ، ولكن ليست فيه «كون المحلّلات محصورة».

(٥) المناهج السويّة (مخطوط) : الورقة ٨٤.

(٦) كذا في (ه) ، وفي (ت): «في الطيّبات» ، ولم ترد «بالطيّبات» في (ر) ، (ص) و (ظ).

(٧) المائدة : ٤.

شكّ في كونه طيّبا فالأصل عدم إحلال الشارع له.

قلنا : إنّ التحريم محمول في القرآن على «الخبائث» و «الفواحش» ، فإذا شكّ فيه فالأصل عدم التحريم ، ومع تعارض الأصلين يرجع إلى أصالة الإباحة ، وعموم قوله تعالى : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ﴾(١) ، وقوله عليه‌السلام : «ليس الحرام إلاّ ما حرّم الله» (٢).

مع أنّه يمكن فرض كون الحيوان ممّا ثبت كونه طيّبا.

بل الطيّب ما لا يستقذر ، فهو أمر عدميّ يمكن إحرازه بالأصل عند الشكّ ، فتدبّر.

__________________

(١) الأنعام : ١٤٥.

(٢) الوسائل ١٧ : ٣ ، الباب ١ من أبواب الأطعمة والأشربة ، الحديث ٤.