درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۴۵: برائت ۴۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

واستدلّ العلاّمة رحمه‌الله في التذكرة (١) على ذلك برواية مسعدة بن صدقة :

استدلال العلاّمة برواية مسعدة

«كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك ولعلّه سرقة ، أو العبد يكون عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه أو قهر فبيع أو خدع فبيع ، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك ، والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البيّنة» (٢).

وتبعه عليه جماعة من المتأخّرين (٣).

الإشكال في الأمثلة المذكورة في الرواية

ولا إشكال في ظهور صدرها في المدّعى ، إلاّ أنّ الأمثلة المذكورة فيها ليس الحلّ فيها مستندا إلى أصالة الحلّيّة ؛ فإنّ الثوب والعبد إن لوحظا باعتبار اليد عليهما حكم بحلّ التصرّف فيهما لأجل اليد ، وإن لوحظا مع قطع النظر عن اليد كان الأصل فيهما حرمة التصرّف ؛ لأصالة بقاء الثوب على ملك الغير وأصالة الحرّيّة في الانسان المشكوك في رقّيّته ، وكذا الزوجة إن لوحظ فيها أصل عدم تحقّق النسب و (٤) الرضاع فالحلّيّة مستندة إليه ، وإن قطع النظر عن هذا الأصل فالأصل عدم تأثير العقد فيها ؛ فيحرم وطؤها.

__________________

(١) التذكرة (الطبعة الحجريّة) ١ : ٥٨٨.

(٢) الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

(٣) منهم الوحيد البهبهاني في الرسائل الاصوليّة : ٣٩٩ ، والفاضل النراقي في المناهج : ٢١١ و ٢١٦.

(٤) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «أو».

وبالجملة : فهذه الأمثلة الثلاثة بملاحظة الأصل الأوّليّ محكومة بالحرمة ، والحكم بحلّيتها إنّما هو من حيث الأصل الموضوعي الثانويّ ، فالحلّ غير مستند إلى أصالة الإباحة في شيء منها.

هذا ، ولكن في (١) الأخبار المتقدّمة بل جميع الأدلّة المتقدّمة من الكتاب والعقل كفاية ، مع أنّ صدرها وذيلها ظاهران في المدّعى.

توهّم عدم جريان قبح التكليف من غير بيان في المسألة والجواب عنه

وتوهّم : عدم جريان قبح التكليف بلا بيان هنا ؛ نظرا إلى أنّ الشارع بيّن حكم الخمر ـ مثلا ـ فيجب حينئذ اجتناب كلّ ما يحتمل كونه خمرا ـ من باب المقدّمة العلميّة ـ ؛ فالعقل لا يقبّح العقاب خصوصا على تقدير مصادفة الحرام.

مدفوع : بأنّ النهي عن الخمر يوجب حرمة الأفراد المعلومة تفصيلا والمعلومة إجمالا المتردّدة بين محصورين (٢) ، والأوّل لا يحتاج إلى مقدّمة علميّة ، والثاني يتوقّف على الاجتناب من أطراف الشبهة لا غير ، وأمّا ما احتمل كونه خمرا من دون علم إجماليّ فلم يعلم من النهي تحريمه ، وليس مقدّمة للعلم باجتناب فرد محرّم يحسن العقاب عليه.

فلا فرق بعد فرض عدم العلم بحرمته ولا بتحريم خمر يتوقّف العلم باجتنابه على اجتنابه ، بين هذا الفرد المشتبه وبين الموضوع الكلّي المشتبه حكمه ـ كشرب التتن ـ في قبح العقاب عليه.

__________________

(١) في (ص) زيادة : «باقي».

(٢) كذا في (ه) وفي غيرها : محصور.

وما ذكر من التوهّم جار فيه أيضا ؛ لأنّ العمومات الدالّة على حرمة الخبائث (١) والفواحش (٢) و ﴿ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(٣) تدلّ على حرمة امور واقعيّة يحتمل كون شرب التتن منها.

ومنشأ التوهّم المذكور : ملاحظة تعلّق الحكم بكليّ مردّد بين مقدار معلوم وبين أكثر منه ، فيتخيّل أنّ الترديد في المكلّف به مع العلم بالتكليف ، فيجب الاحتياط.

ونظير هذا التوهّم قد وقع في الشبهة الوجوبيّة ، حيث تخيّل بعض (٤) : أنّ دوران ما فات من الصلوات (٥) بين الأقلّ والأكثر موجب للاحتياط من باب وجوب المقدّمة العلميّة.

وقد عرفت ، وسيأتي اندفاعه (٦).

فإن قلت : إنّ الضرر محتمل في هذا الفرد المشتبه ـ لاحتمال كونه محرّما ـ فيجب دفعه.

قلنا : إن اريد بالضرر العقاب وما يجري مجراه من الامور الاخرويّة ، فهو مأمون بحكم العقل بقبح العقاب من غير بيان.

وإن اريد ما لا يدفع العقل ترتّبه من غير بيان ـ كما في

__________________

(١) آل عمران : ١٥٧.

(٢) آل عمران : ٣٣.

(٣) الحشر : ٧.

(٤) سيأتي ذكرهم في الصفحة ١٧٠.

(٥) في (ر) و (ظ): «الصلاة».

(٦) انظر الصفحة ١٦٩ ـ ١٧٠.