درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۴۶: برائت ۴۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وما ذكر من التوهّم جار فيه أيضا ؛ لأنّ العمومات الدالّة على حرمة الخبائث (١) والفواحش (٢) و ﴿ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(٣) تدلّ على حرمة امور واقعيّة يحتمل كون شرب التتن منها.

ومنشأ التوهّم المذكور : ملاحظة تعلّق الحكم بكليّ مردّد بين مقدار معلوم وبين أكثر منه ، فيتخيّل أنّ الترديد في المكلّف به مع العلم بالتكليف ، فيجب الاحتياط.

ونظير هذا التوهّم قد وقع في الشبهة الوجوبيّة ، حيث تخيّل بعض (٤) : أنّ دوران ما فات من الصلوات (٥) بين الأقلّ والأكثر موجب للاحتياط من باب وجوب المقدّمة العلميّة.

وقد عرفت ، وسيأتي اندفاعه (٦).

فإن قلت : إنّ الضرر محتمل في هذا الفرد المشتبه ـ لاحتمال كونه محرّما ـ فيجب دفعه.

قلنا : إن اريد بالضرر العقاب وما يجري مجراه من الامور الاخرويّة ، فهو مأمون بحكم العقل بقبح العقاب من غير بيان.

وإن اريد ما لا يدفع العقل ترتّبه من غير بيان ـ كما في

__________________

(١) آل عمران : ١٥٧.

(٢) آل عمران : ٣٣.

(٣) الحشر : ٧.

(٤) سيأتي ذكرهم في الصفحة ١٧٠.

(٥) في (ر) و (ظ): «الصلاة».

(٦) انظر الصفحة ١٦٩ ـ ١٧٠.

المضارّ الدنيويّة ـ فوجوب دفعه عقلا لو سلّم ، كما تقدّم من الشيخ وجماعة (١) ، لم يسلّم وجوبه شرعا ؛ لأنّ الشارع صرّح بحلّية ما (٢) لم يعلم حرمته ، فلا عقاب عليه ؛ كيف وقد يحكم الشرع بجواز ارتكاب الضرر القطعيّ الغير المتعلّق بأمر المعاد ، كما هو المفروض في الضرر المحتمل في المقام؟

تقرير التوهّم بوجه آخر والجواب عنه أيضا

فإن قيل : نختار ـ أوّلا ـ احتمال الضرر المتعلّق بامور الآخرة ، والعقل لا يدفع ترتّبه من دون بيان ؛ لاحتمال المصلحة في عدم البيان ووكول الأمر إلى ما يقتضيه العقل ، كما صرّح (٣) في العدّة (٤) في جواب ما ذكره القائلون بأصالة الإباحة : من أنّه لو كان هناك في الفعل مضرّة آجلة لبيّنها.

وثانيا : نختار المضرّة الدنيويّة ، وتحريمه ثابت شرعا ؛ لقوله تعالى : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾(٥) ، كما استدلّ به الشيخ أيضا في العدّة (٦) على دفع أصالة الإباحة ، وهذا الدليل ومثله رافع للحلّية الثابتة بقولهم عليهم‌السلام : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» (٧).

__________________

(١) راجع الصفحة ٩٠.

(٢) في (ر) و (ص): «كلّما».

(٣) في (ر) زيادة : «به».

(٤) العدّة ٢ : ٧٤٢ ـ ٧٤٣.

(٥) البقرة : ١٩٥.

(٦) لم نعثر عليه في العدّة.

(٧) الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

الجواب عن هذا الوجه أيضا

قلت : لو سلّمنا احتمال المصلحة في عدم بيان الضرر الاخرويّ ، إلاّ أنّ قولهم عليهم‌السلام : «كلّ شيء لك حلال» بيان لعدم الضرر الاخرويّ.

وأمّا الضرر الغير الاخرويّ ، فوجوب دفع المشكوك منه ممنوع ، وآية «التهلكة» مختصّة بمظنّة الهلاك ، وقد صرّح الفقهاء (١) في باب المسافر : بأنّ سلوك الطريق الذي يظنّ معه العطب معصية ، دون مطلق ما يحتمل فيه ذلك. وكذا في باب التيمّم (٢) والإفطار (٣) لم يرخّصوا إلاّ مع ظنّ الضرر الموجب لحرمة العبادة دون الشكّ.

نعم ، ذكر قليل من متأخّري المتأخّرين (٤) انسحاب حكم الإفطار والتيمّم مع الشكّ أيضا ، لكن لا من جهة حرمة ارتكاب مشكوك الضرر ، بل لدعوى تعلّق الحكم في الأدلّة بخوف الضرر الصادق ، مع الشكّ ، بل مع (٥) بعض أفراد الوهم أيضا.

لكنّ الإنصاف : إلزام العقل بدفع الضرر المشكوك فيه كالحكم

__________________

(١) انظر الذكرى (الطبعة الحجريّة) : ٢٥٨ ، والروض : ٣٨٨ ، والذخيرة : ٤٠٩ ، وكشف الغطاء : ٢٧٢.

(٢) انظر المنتهى ٣ : ٣٤ ، والمدارك ٢ : ١٩٤ ، ومستند الشيعة ٣ : ٣٨٠.

(٣) انظر الشرائع ١ : ٢١٠ ، والمدارك ٦ : ٢٨٥.

(٤) كالمحدّث البحراني في الحدائق ١٣ : ١٧١ ، والسيّد الطباطبائي في الرياض ١ : ٣٢٩ ، والفاضل النراقي في المستند ١٠ : ٣٧٥ ، وصاحب الجواهر في الجواهر ٥ : ١١٠ ، و ١٦ : ٣٤٦.

(٥) لم ترد «مع» في (ت) ، (ظ) و (ه).

بدفع الضرر المتيقّن ، كما يعلم بالوجدان عند وجود مائع محتمل السمّية إذا فرض تساوي الاحتمالين من جميع الوجوه.

عدم حكم العقل بوجوب دفع الضرر إذا ترتّب عليه نفع اخروي

لكن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المتيقّن إنّما هو بملاحظة نفس الضرر الدنيويّ من حيث هو ، كما يحكم بوجوب دفع الضرر الاخروي كذلك ، إلاّ أنّه قد يتّحد مع الضرر الدنيويّ عنوان يترتّب عليه نفع اخرويّ ، فلا يستقلّ العقل بوجوب دفعه ؛ ولذا (١) لا ينكر العقل أمر الشارع بتسليم النفس للحدود والقصاص ، وتعريضها (٢) في الجهاد والإكراه على القتل أو على الارتداد.

وحينئذ : فالضرر الدنيويّ المقطوع يجوز أن يبيحه الشارع لمصلحة ، فإباحته للضرر المشكوك لمصلحة الترخيص على العباد أو لغيرها من المصالح ، أولى بالجواز (٣).

فإن قلت : إذا فرضنا قيام أمارة غير معتبرة على الحرمة ، فيظنّ الضرر ، فيجب دفعه ، مع انعقاد الإجماع على عدم الفرق بين الشكّ والظنّ الغير المعتبر.

قلنا : الظنّ بالحرمة لا يستلزم الظنّ بالضرر ، أمّا الاخرويّ ؛ فلأنّ المفروض عدم البيان ، فيقبح. وأمّا الدنيويّ ؛ فلأنّ الحرمة لا تلازم

__________________

(١) لم ترد «لذا» في (ظ).

(٢) في غير (ه) زيادة : «له».

(٣) في (ت) وهامش (ص) ونسخة بدل (ه) زيادة : «هذا تمام الكلام في هذا المقام ، وقد تقدّم في الاستدلال على حجّيّة الظنّ بلزوم دفع الضرر المظنون ، ما ينفع نقضا وإبراما ، فراجع» ، مع اختلاف يسير بينها.