درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۴۷: برائت ۴۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بدفع الضرر المتيقّن ، كما يعلم بالوجدان عند وجود مائع محتمل السمّية إذا فرض تساوي الاحتمالين من جميع الوجوه.

عدم حكم العقل بوجوب دفع الضرر إذا ترتّب عليه نفع اخروي

لكن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المتيقّن إنّما هو بملاحظة نفس الضرر الدنيويّ من حيث هو ، كما يحكم بوجوب دفع الضرر الاخروي كذلك ، إلاّ أنّه قد يتّحد مع الضرر الدنيويّ عنوان يترتّب عليه نفع اخرويّ ، فلا يستقلّ العقل بوجوب دفعه ؛ ولذا (١) لا ينكر العقل أمر الشارع بتسليم النفس للحدود والقصاص ، وتعريضها (٢) في الجهاد والإكراه على القتل أو على الارتداد.

وحينئذ : فالضرر الدنيويّ المقطوع يجوز أن يبيحه الشارع لمصلحة ، فإباحته للضرر المشكوك لمصلحة الترخيص على العباد أو لغيرها من المصالح ، أولى بالجواز (٣).

فإن قلت : إذا فرضنا قيام أمارة غير معتبرة على الحرمة ، فيظنّ الضرر ، فيجب دفعه ، مع انعقاد الإجماع على عدم الفرق بين الشكّ والظنّ الغير المعتبر.

قلنا : الظنّ بالحرمة لا يستلزم الظنّ بالضرر ، أمّا الاخرويّ ؛ فلأنّ المفروض عدم البيان ، فيقبح. وأمّا الدنيويّ ؛ فلأنّ الحرمة لا تلازم

__________________

(١) لم ترد «لذا» في (ظ).

(٢) في غير (ه) زيادة : «له».

(٣) في (ت) وهامش (ص) ونسخة بدل (ه) زيادة : «هذا تمام الكلام في هذا المقام ، وقد تقدّم في الاستدلال على حجّيّة الظنّ بلزوم دفع الضرر المظنون ، ما ينفع نقضا وإبراما ، فراجع» ، مع اختلاف يسير بينها.

الضرر الدنيويّ ، بل القطع بها أيضا لا يلازمه ؛ لاحتمال انحصار المفسدة فيما يتعلّق بالامور الاخرويّة.

ولو فرض حصول الظنّ بالضرر الدنيويّ فلا محيص عن التزام حرمته ، كسائر ما ظنّ فيه الضرر الدنيويّ من الحركات والسكنات (١).

__________________

(١) لم ترد عبارة «فإن قلت ـ إلى ـ السكنات» في (ت) ، وكتب عليها في (ص) و (ه): «زائد».

وينبغي التنبيه على امور :

الأوّل

محلّ الكلام في الشبهة الموضوعيّة ما إذا لم يكن أصل موضوعيّ يقضي بالحرمة

أنّ محلّ الكلام في الشبهة الموضوعيّة المحكومة بالإباحة ما إذا لم يكن هناك أصل موضوعيّ يقضي بالحرمة ؛ فمثل المرأة المردّدة (١) بين الزوجة والأجنبيّة خارج عن محلّ الكلام ؛ لأنّ أصالة عدم علاقة الزوجيّة ـ المقتضية للحرمة ـ بل استصحاب الحرمة ، حاكمة على أصالة الإباحة.

ونحوها : المال المردّد بين مال نفسه وملك الغير (٢) مع سبق ملك الغير له ، وأمّا مع عدم سبق ملك أحد عليه ، فلا ينبغي الإشكال في عدم ترتّب أحكام ملكه عليه : من جواز بيعه ونحوه ممّا يعتبر فيه تحقّق الماليّة.

وأمّا إباحة التصرّفات الغير المترتّبة في الأدلّة على ماله وملكه ، فيمكن القول بها ؛ للأصل. ويمكن عدمه ؛ لأنّ الحلّية في الأملاك لا بدّ لها من سبب محلّل ؛ بالاستقراء ، ولقوله (٣) عليه‌السلام : «لا يحلّ مال إلاّ من

__________________

(١) في أكثر النسخ : «المتردّدة».

(٢) في (ت) ، (ص) و (ه): «غيره».

(٣) في (ظ): «بقوله».

حيث أحلّه الله» (١).

ومبنى الوجهين : أنّ إباحة التصرّف هي المحتاجة إلى السبب ، فيحرم مع عدمه ولو بالأصل. و (٢) أنّ حرمة التصرّف محمولة في الأدلّة على ملك الغير ، فمع عدم تملّك الغير ـ ولو بالأصل ـ ينتفي الحرمة.

ومن قبيل ما لا يجري فيه أصالة الاباحة : اللحم المردّد بين المذكّى والميتة ؛ فإنّ أصالة عدم التذكية ـ المقتضية للحرمة والنجاسة ـ حاكمة على أصالتي الإباحة والطهارة.

وربما يتخيّل خلاف ذلك : تارة لعدم حجّية استصحاب عدم التذكية (٣) ، واخرى لمعارضة أصالة عدم التذكية بأصالة عدم الموت ، والحرمة والنجاسة من أحكام الميتة (٤).

والأوّل مبنيّ على عدم حجّية الاستصحاب ولو في الامور العدميّة.

والثاني مدفوع :

أوّلا : بأنّه يكفي في الحكم بالحرمة عدم التذكية ولو بالأصل ، ولا يتوقّف على ثبوت الموت حتّى ينتفي بانتفائه ولو بحكم الأصل ؛ والدليل عليه : استثناء ﴿ما ذَكَّيْتُمْ﴾ من قوله ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾(٥) ، فلم يبح الشارع إلاّ ما ذكّي ، وإناطة إباحة الأكل بما ذكر اسم الله عليه

__________________

(١) الوسائل ٦ : ٣٧٥ ، الباب ٣ من أبواب الأنفال ، الحديث ٢.

(٢) في (ظ) و (ه): «أو».

(٣) هذا الوجه للسيّد العاملي في المدارك ٢ : ٣٨٧.

(٤) هذا الوجه للسيّد الصدر في شرح الوافية (مخطوط) : ٣٦٥.

(٥) المائدة : ٣.

وغيره من الامور الوجوديّة المعتبرة في التذكية ، فإذا انتفى بعضها ـ ولو بحكم الأصل ـ انتفت الإباحة.

وثانيا : أنّ الميتة عبارة عن غير المذكّى ؛ إذ ليست الميتة خصوص ما مات حتف أنفه ، بل كلّ زهاق روح انتفى فيه شرط من شروط التذكية فهي ميتة شرعا. وتمام الكلام في الفقه (١).

__________________

(١) قد عنون الفقهاء هذه المسألة في مواضع عديدة ، منها : كتاب الصيد والذباحة ، ومنها : كتاب الطهارة في مسألة الجلد المطروح.