درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۵۱: برائت ۵۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الثالث

الاحتياط التامّ موجب لاختلال النظام

أنّه لا شكّ في حكم العقل والنقل برجحان الاحتياط مطلقا ، حتّى فيما كان هناك أمارة على الحلّ مغنية عن أصالة الإباحة ، إلاّ أنّه لا ريب في أنّ الاحتياط في الجميع موجب لاختلال النظام كما ذكره المحدّث المتقدّم ذكره (١) ، بل يلزم أزيد ممّا ذكره ، فلا يجوز الأمر به من الحكيم ؛ لمنافاته للغرض.

التبعيض بحسب الاحتمالات

والتبعيض بحسب الموارد ، واستحباب الاحتياط حتّى يلزم الاختلال ـ أيضا ـ مشكل ؛ لأنّ تحديده في غاية العسر ، فيحتمل التبعيض بحسب الاحتمالات ، فيحتاط في المظنونات ، وأمّا المشكوكات فضلا عن انضمام الموهومات إليها ، فالاحتياط فيها حرج مخل بالنظام ، ويدلّ على هذا : العقل بعد ملاحظة حسن الاحتياط مطلقا واستلزام كلّيته الاختلال.

التبعيض بحسب المحتملات

ويحتمل التبعيض بحسب المحتملات ، فالحرام المحتمل إذا كان من الامور المهمّة في نظر الشارع كالدماء والفروج ، بل مطلق حقوق الناس

__________________

(١) أي الشيخ الحرّ العاملي ، راجع الصفحة ١٣٤.

بالنسبة إلى حقوق الله تعالى ، يحتاط فيه ، وإلاّ فلا (١).

ويدلّ على هذا : جميع ما ورد من التأكيد في أمر النكاح ، وأنّه شديد ، وأنّه يكون. منه الولد (٢) ، منها : ما تقدّم من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

«لا تجامعوا على النكاح بالشبهة» ، قال عليه‌السلام : «فإذا بلغك أنّ امرأة أرضعتك» ـ إلى أن قال ـ : «إنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» (٣).

وقد تعارض هذه بما دلّ على عدم وجوب السؤال والتوبيخ عليه (٤) ، وعدم قبول قول من يدّعي حرمة المعقودة مطلقا (٥) أو بشرط عدم كونه ثقة (٦) ، وغير ذلك (٧).

وفيه : أنّ مساقها التسهيل وعدم وجوب الاحتياط ، فلا ينافي الاستحباب.

التبعيض بين مورد الأمارة على الإباحة وبين غيره

ويحتمل التبعيض بين مورد الأمارة على الإباحة وموارد لا يوجد

__________________

(١) لم ترد عبارة «يحتاط ـ إلى ـ فلا» في (ظ) و (ه).

(٢) الوسائل ١٤ : ١٩٣ ، الباب ١٥٧ من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ، الحديث ١ و ٣.

(٣) الوسائل ١٤ : ١٩٣ ، الباب ١٥٧ من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ، الحديث ٢ ، وقد تقدّم في الصفحة ٧٢.

(٤) الوسائل ١٤ : ٢٢٧ ، الباب ٢٥ من أبواب عقد النكاح.

(٥) الوسائل ١٤ : ٢٢٦ ، الباب ٢٣ من أبواب عقد النكاح ، الحديث الأوّل والثالث.

(٦) نفس المصدر ، الحديث الثاني.

(٧) انظر الوسائل ١٤ : ٤٥٧ ، الباب ١٠ من أبواب المتعة.

فيها (١) إلاّ أصالة الإباحة ، فيحمل ما ورد من الاجتناب عن الشبهات والوقوف عند الشبهات على الثاني دون الأوّل ؛ لعدم صدق الشبهة بعد الأمارة الشرعيّة على الإباحة ؛ فإنّ الأمارات في الموضوعات بمنزلة الأدلّة في الأحكام مزيلة للشبهة ، خصوصا إذا كان المراد من الشبهة ما يتحيّر في حكمه ولا بيان من الشارع لا عموما ولا خصوصا بالنسبة إليه ، دون مطلق ما فيه الاحتمال ، وهذا بخلاف أصالة الإباحة ؛ فإنّها حكم في مورد الشبهة لا مزيلة لها.

هذا ، ولكن أدلّة الاحتياط لا تنحصر في ما ذكر فيه لفظ «الشبهة» ، بل العقل مستقلّ بحسن الاحتياط مطلقا.

فالأولى : الحكم برجحان الاحتياط في كلّ موضع لا يلزم منه الحرام (٢). وما ذكر من أنّ تحديد الاستحباب بصورة لزوم الاختلال عسر ، فهو إنّما يقدح في وجوب الاحتياط لا في حسنه.

__________________

(١) «فيها» من (ت).

(٢) في (ص): «الحرج».

الرابع

عدم اختصاص الإباحة بالعاجز عن الاستعلام

إباحة ما يحتمل الحرمة غير مختصّة بالعاجز عن الاستعلام ، بل يشمل القادر على تحصيل العلم بالواقع ؛ لعموم أدلّته من العقل والنقل ، وقوله عليه‌السلام في ذيل رواية مسعدة بن صدقة : «والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غيره أو تقوم به البيّنة» (١) ؛ فإنّ ظاهره حصول الاستبانة وقيام البيّنة لا التحصيل ، وقوله : «هو لك حلال حتّى يجيئك شاهدان» (٢).

لكن هذا وأشباهه ـ مثل قوله عليه‌السلام في اللحم المشترى من السوق : «كل ولا تسأل» (٣) ، وقوله عليه‌السلام : «ليس عليكم المسألة ؛ إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم» (٤) ، وقوله عليه‌السلام في حكاية المنقطعة التي تبيّن لها زوج : «لم سألت» (٥) ـ واردة في موارد وجود الأمارة الشرعيّة على الحلّية ، فلا تشمل ما نحن فيه.

إلاّ أنّ المسألة غير خلافيّة ، مع كفاية الإطلاقات.

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

(٢) الوسائل ١٧ : ٩١ ، الباب ٦١ من أبواب الأطعمة المباحة ، الحديث ٢.

(٣) الاستبصار ٤ : ٧٥ ، الباب ٤٨ من كتاب العتق ، الحديث الأوّل.

(٤) الوسائل ٢ : ١٠٧١ ، الباب ٥٠ من أبواب النجاسات ، الحديث ٣.

(٥) الوسائل ١٤ : ٤٥٧ ، الباب ١٠ من أبواب المتعة ، الحديث ٣ و ٤ ، مع تفاوت.