درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۶۲: برائت ۶۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

فإنّ الحديث الثاني وإن كان أخصّ من الأوّل ، وكان اللازم تخصيص الأوّل به والحكم بعدم وجوب التكبير ، إلاّ أنّ جوابه صلوات الله وسلامه عليه بالأخذ بأحد الحديثين من باب التسليم يدلّ على أنّ الحديث الأوّل نقله الإمام عليه‌السلام بالمعنى ، وأراد شموله لحالة الانتقال من القعود إلى القيام بحيث لا يمكن (١) إرادة ما عدا هذا الفرد منه ، فأجاب عليه‌السلام بالتخيير.

ثمّ إنّ وظيفة الإمام عليه‌السلام وإن كانت إزالة الشبهة عن الحكم الواقعيّ ، إلاّ أنّ هذا الجواب لعلّه تعليم طريق العمل عند التعارض مع عدم وجوب التكبير عنده في الواقع ، وليس فيه الإغراء بالجهل من حيث قصد الوجوب في ما ليس بواجب ؛ من جهة (٢) كفاية قصد القربة في العمل.

وكيف كان : فإذا ثبت التخيير بين دليلي وجوب الشيء على وجه الجزئيّة وعدمه ، ثبت في ما نحن فيه ـ من تعارض الخبرين في ثبوت التكليف المستقلّ ـ بالإجماع والأولويّة القطعيّة.

ما ذكره الاصوليّون في باب التراجيح

ثمّ إنّ جماعة من الاصوليّين ذكروا في باب التراجيح الخلاف في ترجيح الناقل أو المقرّر (٣) ، وحكي عن الأكثر ترجيح الناقل (٤). وذكروا تعارض الخبر المفيد للوجوب والمفيد للإباحة ، وذهب جماعة إلى ترجيح

__________________

(١) كذا في (ت) و (ظ) ، وفي غيرهما : «لا يتمكّن».

(٢) في (ت) ونسخة بدل (ص) بدل «من جهة» : «لأجل».

(٣) انظر المعارج : ١٥٦ ، ونهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٨ ، والمعالم : ٢٥٣.

(٤) حكاه في نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٨ ، وانظر مفاتيح الاصول : ٧٠٥.

الأوّل (١). وذكروا تعارض الخبر المفيد للإباحة والمفيد للحظر (٢) ، وحكي عن الأكثر ـ بل الكلّ ـ تقديم الحاظر (٣) ، ولعلّ هذا كلّه مع قطع النظر عن الأخبار.

__________________

(١) انظر نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٦٠ ، ومفاتيح الاصول : ٧١٠.

(٢) انظر المعارج : ١٥٧ ، ونهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٩.

(٣) انظر مفاتيح الاصول : ٧٠٨.

المسألة الرابعة

الشبهة الوجوبيّة من جهة اشتباه الموضوع

دوران الأمر بين الوجوب وغيره ، من جهة الاشتباه في موضوع الحكم

جريان أدلّة البراءة

والحكم فيه البراءة (١) ؛ ويدلّ عليه جميع ما تقدّم في الشبهة الموضوعيّة التحريميّة (٢) : من أدلّة البراءة عند الشكّ في التكليف.

وتقدّم فيها (٣) ـ أيضا ـ : اندفاع توهّم أنّ التكليف إذا تعلّق بمفهوم وجب ـ مقدّمة لامتثال التكليف في جميع أفراده ـ موافقته في كلّ ما يحتمل أن يكون فردا له.

لو تردّدت الفائتة بين الأقلّ والاكثر

ومن ذلك يعلم : أنّه لا وجه للاستناد إلى قاعدة الاشتغال في ما إذا تردّدت الفائتة بين الأقلّ والأكثر ـ كصلاتين وصلاة واحدة ـ بناء على أنّ الأمر بقضاء جميع ما فات واقعا يقتضي لزوم الاتيان بالأكثر من باب المقدّمة.

توضيح ذلك ـ مضافا إلى ما تقدّم في الشبهة التحريميّة ـ : أنّ قوله : «اقض ما فات» يوجب العلم التفصيليّ بوجوب قضاء ما علم

__________________

(١) لم ترد في (ر) و (ظ): «والحكم فيه البراءة».

(٢) راجع الصفحة ١١٩.

(٣) راجع الصفحة ١٢١.

فوته وهو الأقلّ ، ولا يدلّ أصلا على وجوب ما شكّ في فوته وليس فعله مقدّمة لواجب حتّى يجب من باب المقدّمة ، فالأمر بقضاء ما فات واقعا لا يقتضي إلاّ وجوب المعلوم فواته ، لا من جهة دلالة اللفظ على المعلوم ـ حتّى يقال : إنّ اللفظ ناظر إلى الواقع من غير تقييد بالعلم ـ ، بل من جهة : أنّ الأمر بقضاء الفائت الواقعيّ لا يعدّ دليلا إلاّ على ما علم صدق الفائت عليه ، وهذا لا يحتاج إلى مقدّمة ، ولا يعلم منه وجوب شيء آخر يحتاج إلى المقدّمة العلميّة.

والحاصل : أنّ المقدّمة العلميّة المتّصفة بالوجوب لا تكون إلاّ مع العلم الإجماليّ.

نعم ، لو اجري في المقام أصالة عدم الإتيان بالفعل في الوقت فيجب قضاؤه ، فله وجه ، وسيجيء الكلام عليه (١).

المشهور وجوب القضاء حتّى يظنّ الفراغ

هذا ، ولكنّ المشهور بين الأصحاب (٢) رضوان الله عليهم ، بل المقطوع به من المفيد (٣) قدس‌سره إلى الشهيد الثاني (٤) : أنّه لو لم يعلم كميّة ما فات قضى حتّى يظنّ الفراغ منها.

وظاهر ذلك ـ خصوصا بملاحظة ما يظهر من استدلال بعضهم ، من كون الاكتفاء بالظنّ رخصة ، وأنّ القاعدة تقتضي وجوب العلم بالفراغ ـ : كون الحكم على القاعدة.

__________________

(١) انظر الصفحة ١٧٣ ـ ١٧٦.

(٢) انظر مفتاح الكرامة ٣ : ٤٠٦.

(٣) انظر المقنعة : ١٤٨ و ١٤٩.

(٤) انظر الروضة البهيّة ١ : ٧٥٠.