درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۶۸: برائت ۶۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

توضيح الاندفاع : أنّ المحرّم وهو الطرح في مقام العمل غير متحقّق ، والواجب في مقام التديّن الالتزام بحكم الله على ما هو عليه في الواقع ، وهو أيضا متحقّق في الواقع (١) ، فلم يبق إلاّ وجوب تعبّد المكلّف وتديّنه والتزامه بما يحتمل الموافقة للحكم الواقعيّ ، وهذا ممّا لا دليل على وجوبه أصلا.

والحاصل : أنّ الواجب شرعا هو الالتزام والتديّن بما علم أنّه حكم الله الواقعيّ ، ووجوب الالتزام بخصوص الوجوب بعينه أو الحرمة بعينها ، من اللوازم العقليّة للعلم (٢) التفصيليّ يحصل من ضمّ صغرى معلومة تفصيلا إلى تلك الكبرى ، فلا يعقل وجوده مع انتفائه ، وليس حكما شرعيا ثابتا في الواقع حتّى يجب مراعاته ولو مع الجهل التفصيليّ.

عدم صحّة قياس ما نحن فيه بصورة تعارض الخبرين

ومن هنا يبطل قياس ما نحن فيه بصورة تعارض الخبرين الجامعين لشرائط الحجّية الدالّة أحدهما على الأمر والآخر على النهي ، كما هو مورد بعض الأخبار الواردة في تعارض الخبرين (٣).

ولا يمكن أن يقال : إنّ المستفاد منه ـ بتنقيح المناط ـ وجوب الأخذ بأحد الحكمين وإن لم يكن على كلّ واحد منهما دليل معتبر معارض بدليل الآخر.

فإنّه يمكن أن يقال : إنّ الوجه في حكم الشارع هناك بالأخذ

__________________

(١) لم ترد «في الواقع» في (ظ).

(٢) في (ر) و (ص) زيادة : «العادي».

(٣) الوسائل ١٨ : ٨٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٢.

بأحدهما ، هو أنّ الشارع أوجب الأخذ بكلّ من الخبرين المفروض استجماعهما لشرائط الحجّية ، فإذا لم يمكن الأخذ بهما معا فلا بدّ من الأخذ بأحدهما ، وهذا تكليف شرعيّ في المسألة الاصوليّة غير التكليف المعلوم تعلّقه إجمالا في المسألة الفرعيّة بواحد من الفعل والترك ، بل ولو لا النصّ الحاكم هناك بالتخيير أمكن القول به من هذه الجهة ، بخلاف ما نحن فيه ؛ إذ لا تكليف إلاّ بالأخذ بما صدر واقعا في هذه الواقعة ، والالتزام به حاصل من غير حاجة إلى الأخذ بأحدهما بالخصوص.

ويشير إلى ما ذكرنا من الوجه : قوله عليه‌السلام في بعض تلك الأخبار : «بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك» (١). وقوله عليه‌السلام : «من باب التسليم» إشارة إلى أنّه لمّا وجب على المكلّف التسليم لجميع ما يرد عليه بالطرق المعتبرة من أخبار الأئمّة عليهم‌السلام ـ كما يظهر ذلك من الأخبار الواردة في باب التسليم لما يرد من الأئمّة عليهم‌السلام ، منها قوله : «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما يرويه عنّا ثقاتنا» (٢) ـ ، وكان التسليم لكلا الخبرين الواردين بالطرق المعتبرة المتعارضين ممتنعا ، وجب التسليم لأحدهما مخيّرا في تعيينه (٣).

ثمّ إنّ هذا الوجه وإن لم يخل عن مناقشة أو منع ، إلاّ أنّ مجرّد احتماله يصلح فارقا بين المقامين مانعا عن استفادة حكم ما نحن فيه

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ٨٠ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٩.

(٢) الوسائل ١٨ : ١٠٨ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٠.

(٣) في (ت) و (ظ) بدل «تعيينه» : «نفسه».

من حكم الشارع بالتخيير في مقام التعارض ، فافهم (١).

وبما ذكرنا ، يظهر حال قياس ما نحن فيه على حكم المقلّد عند اختلاف المجتهدين في الوجوب والحرمة.

عدم شمول ما ذكروه في مسألة اختلاف الامّة لما نحن فيه

وما ذكروه في مسألة اختلاف الامّة لا يعلم شموله لما نحن فيه ممّا كان الرجوع إلى الثالث غير مخالف من حيث العمل لقول الإمام عليه‌السلام ، مع أنّ عدم جواز الرجوع إلى الثالث المطابق للأصل ليس اتّفاقيّا.

ظاهر كلام الشيخ في مسألة اختلاف الاُمّة هو التخبير الواقعي

على : أنّ ظاهر كلام الشيخ القائل بالتخيير ـ كما سيجيء (٢) ـ هو إرادة التخيير الواقعيّ المخالف لقول الإمام عليه‌السلام في المسألة ؛ ولذا اعترض عليه المحقّق (٣) : بأنّه لا ينفع التخيير فرارا عن الرجوع إلى الثالث المطابق للأصل ؛ لأنّ التخيير أيضا طرح لقول الإمام عليه‌السلام.

وإن انتصر للشيخ بعض (٤) : بأنّ التخيير بين الحكمين ظاهرا وأخذ أحدهما ، هو المقدار الممكن من الأخذ بقول الشارع في المقام. لكنّ ظاهر كلام الشيخ قدس‌سره يأبى عن ذلك ، قال في العدّة :

__________________

(١) وردت في (ظ) وهامش (ص) ، بعنوان «نسخة» زيادة ، وهي : «فالأقوى في المسألة : التوقّف واقعا وظاهرا ؛ وأنّ الأخذ بأحدهما قول بما لا يعلم لم يقم عليه دليل ، والعمل على طبق ما التزمه على أنّه كذلك لا يخلو من التشريع».

(٢) سيجيء في الصفحة اللاحقة.

(٣) انظر المعارج : ١٣٣.

(٤) هو سلطان العلماء في حاشيته على المعالم وتبعه صاحبا القوانين والفصول ، انظر المعالم (الطبعة الحجريّة) : ١٨١ ، حاشية سلطان العلماء المبدوّة بقوله : «هذا ممنوع في العمل ... الخ» ، والقوانين ١ : ٣٨٣ ، والفصول : ٢٥٧.

كلام الشيخ في العدّة

إذا اختلفت الامّة على قولين فلا يكون إجماعا ، ولأصحابنا في ذلك مذهبان : منهم من يقول : إذا تكافأ الفريقان ولم يكن مع أحدهما دليل يوجب العلم أو يدلّ على أنّ المعصوم عليه‌السلام داخل فيه ، سقطا ووجب التمسّك بمقتضى العقل من حظر أو إباحة على اختلاف مذاهبهم. وهذا القول ليس بقويّ.

ثمّ علّله باطّراح قول الإمام عليه‌السلام ، قال (١) : ولو جاز ذلك لجاز مع تعيين قول الإمام عليه‌السلام تركه والعمل بما في العقل.

ومنهم من يقول : نحن مخيّرون في العمل بأيّ القولين ، وذلك يجري مجرى خبرين إذا تعارضا ، انتهى.

ثمّ فرّع على القول الأوّل جواز اتّفاقهم بعد الاختلاف على قول واحد ، وعلى القول الثاني عدم جواز ذلك ؛ معلّلا بأنّه يلزم من ذلك بطلان القول الآخر ، وقد قلنا : إنّهم مخيّرون في العمل ، ولو كان إجماعهم على أحدهما انتقض ذلك ، انتهى.

وما ذكره من التفريع أقوى شاهد على إرادة التخيير الواقعيّ ، وإن كان القول به لا يخلو عن الإشكال.

هذا ، وقد مضى شطر من الكلام في ذلك في المقصد الأوّل من الكتاب ، عند التكلّم في فروع اعتبار القطع (٢) ، فراجع (٣).

__________________

(١) في (ه): «وقال».

(٢) راجع مبحث القطع ١ : ٩٠.

(٣) لم ترد «هذا ـ إلى ـ فراجع» في (ر) ، (ص) و (ظ) ، نعم وردت في (ر) و (ص) بعد أسطر من قوله : «لو دار الأمر بين الوجوب والاستحباب».

وكيف كان : فالظاهر بعد التأمّل في كلماتهم في باب الإجماع إرادتهم ب «طرح قول الإمام عليه‌السلام» الطرح (١) من حيث العمل ، فتأمّل.

شمول أدلّة الإباحة لما نحن فيه

اللازم في المسألة هو التوقّف

ولكنّ الإنصاف : أنّ أدلّة الإباحة في محتمل الحرمة تنصرف إلى محتمل الحرمة وغير الوجوب ، وأدلّة نفي التكليف عمّا لم يعلم نوع التكليف لا تفيد إلاّ عدم المؤاخذة على الترك والفعل ، وعدم تعيين الحرمة أو الوجوب ، وهذا المقدار لا ينافي وجوب الأخذ بأحدهما مخيّرا فيه (٢). نعم ، هذا الوجوب يحتاج إلى دليل وهو مفقود ؛ فاللازم هو التوقّف ، وعدم الالتزام إلاّ بالحكم الواقعيّ على ما هو عليه في الواقع ، ولا دليل على عدم جواز خلوّ الواقعة عن حكم ظاهريّ إذا لم يحتج إليه في العمل ، نظير ما لو دار الأمر بين الوجوب والاستحباب.

بناء على وجوب الأخذ ، هل يتعيّن الأخذ بالحرمة أو يتخيّر؟

ثمّ على تقدير وجوب الأخذ ، هل يتعيّن الأخذ بالحرمة ، أو يتخيّر بينه وبين الأخذ بالوجوب؟ وجهان ، بل قولان :

يستدلّ على الأوّل ـ بعد قاعدة الاحتياط ؛ حيث يدور الأمر بين التخيير والتعيين ـ :

أدلّة تعيّن الأخذ بالحرمة

بظاهر ما دلّ على وجوب التوقّف عند الشبهة (٣) ؛ فإنّ الظاهر من التوقّف ترك الدخول في الشبهة.

كلام العلّامة في نهاية الوصول

وبأنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة ؛ لما عن النهاية : من أنّ الغالب في الحرمة دفع مفسدة ملازمة للفعل ، وفي الوجوب تحصيل مصلحة لازمة للفعل ، واهتمام الشارع والعقلاء بدفع المفسدة أتمّ.

__________________

(١) «الطرح» من (ص).

(٢) لم ترد «مخيّرا فيه» في (ه) ، وشطب عليها في (ت).

(٣) تقدّم ما يدلّ على التوقّف في الصفحة ٦٤ ـ ٦٧.