درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۷۹: احتیاط ۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ذلك ؛ ولذا (١) قيل (٢) بجواز الاقتداء في الظهرين بواجدي المنيّ في صلاة واحدة ؛ بناء على أنّ المناط في صحّة الاقتداء الصحّة عند المصلّي ما لم يعلم تفصيلا فساده.

وأمّا مسألة الصلح ، فالحكم فيها تعبّديّ ، وكأنّه صلح قهريّ بين المالكين ، أو يحمل على حصول الشركة بالاختلاط ، وقد ذكر بعض الأصحاب أنّ مقتضى القاعدة الرجوع إلى القرعة (٣).

وبالجملة : فلا بدّ من التوجيه في جميع ما توهم (٤) جواز المخالفة القطعيّة الراجعة إلى طرح دليل شرعيّ ؛ لأنّها كما عرفت ممّا يمنع عنها العقل والنقل (٥) ، خصوصا إذا قصد من ارتكاب المشتبهين التوصّل إلى الحرام. هذا ممّا لا تأمّل فيه ، ومن يظهر منه جواز الارتكاب فالظاهر أنّه قصد غير هذه الصورة.

ومنه يظهر : أنّ إلزام القائل بالجواز (٦) : بأنّ تجويز ذلك يفضي إلى إمكان التوصّل إلى فعل جميع المحرّمات على وجه مباح ـ بأن يجمع بين الحلال والحرام المعلومين تفصيلا كالخمر والخلّ على وجه يوجب

__________________

(١) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «ولذلك».

(٢) انظر التذكرة ١ : ٢٢٤ ، والمدارك ١ : ٢٧٠.

(٣) لم نظفر بقائله في المقام ، نعم ، حكاه العلاّمة المجلسي في أربعينه (الصفحة ٥٨٢) عن بعض الأصحاب ، ونسبه في أوثق الوسائل (الصفحة ٣٢٣) إلى ابن طاوس.

(٤) كذا في جميع النسخ ، والمناسب : «يوهم».

(٥) راجع الصفحة ٢٠٠.

(٦) الملزم هو صاحب الفصول في الفصول : ١٨١.

الاشتباه فيرتكبهما ـ ، محلّ نظر ، خصوصا على ما مثّل به من الجمع بين الأجنبيّة والزوجة.

هذا كلّه فيما إذا كان الحرام المشتبه عنوانا واحدا مردّدا بين أمرين ، وأمّا إذا كان مردّدا بين عنوانين ، كما مثّلنا سابقا بالعلم الإجماليّ بأنّ أحد المائعين (١) خمر أو الآخر مغصوب ، فالظاهر أنّ حكمه كذلك ؛ إذ لا فرق في عدم جواز المخالفة للدليل الشرعيّ بين كون ذلك الدليل معلوما بالتفصيل وكونه معلوما بالإجمال ؛ فإنّ من ارتكب الإناءين في المثال يعلم بأنّه خالف دليل حرمة الخمر أو دليل حرمة المغصوب ؛ ولذا (٢) لو كان إناء واحد مردّدا بين الخمر والمغصوب لم يجز ارتكابه ، مع أنّه لا يلزم منه إلاّ مخالفة أحد الدليلين لا بعينه ، وليس ذلك إلاّ من جهة أنّ مخالفة الدليل الشرعيّ محرّم عقلا وشرعا ، سواء تعيّن للمكلّف أو تردّد بين دليلين.

تفصيل صاحب الحدائق في الشبهة المحصورة

ويظهر من صاحب الحدائق : التفصيل في باب الشبهة المحصورة بين كون المردّد بين المشتبهين فردا من عنوان فيجب الاجتناب عنه ، وبين كونه مردّدا بين عنوانين فلا يجب (٣).

فإن أراد عدم وجوب الاجتناب عن شيء منهما في الثاني وجواز ارتكابهما معا ، فظهر ضعفه بما ذكرنا ، وإن أراد عدم وجوب الاحتياط فيه ، فسيجيء ما فيه.

__________________

(١) في غير (ظ) ونسخة بدل (ت) زيادة : «إمّا».

(٢) في (ت): «كذا».

(٣) الحدائق ١ : ٥١٧.

هل يجب اجتناب جميع المشتبهات؟

و (١) أمّا المقام الثاني :

الحقّ وجوب الاجتناب والاحتياط

فالحقّ فيه : وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين وفاقا للمشهور ، وفي المدارك : أنّه مقطوع به في كلام الأصحاب (٢) ، ونسبه المحقّق البهبهانيّ في فوائده إلى الأصحاب (٣) ، وعن المحقّق المقدّس الكاظمي في شرح الوافية : دعوى الإجماع صريحا (٤) ، وذهب جماعة إلى عدم وجوبه (٥) ، وحكي عن بعض (٦) القرعة.

الاستدلال عليه

لنا على ما ذكرنا : أنّه إذا ثبت كون أدلّة تحريم المحرّمات شاملة للمعلوم إجمالا ولم يكن هنا مانع عقليّ أو شرعيّ من تنجّز (٧) التكليف به ، لزم بحكم العقل التحرّز عن ارتكاب ذلك المحرّم بالاجتناب عن كلا المشتبهين.

وبعبارة اخرى : التكليف بذلك المعلوم إجمالا إن لم يكن ثابتا جازت المخالفة القطعيّة ، والمفروض في هذا المقام التسالم على حرمتها ،

__________________

(١) «و» من نسخة جماعة المدرّسين.

(٢) المدارك ١ : ١٠٧.

(٣) الفوائد الحائريّة : ٢٤٨.

(٤) الوافي في شرح الوافية (مخطوط) ، الورقة ٢١٠.

(٥) كالسيّد العاملي في المدارك ١ : ١٠٧ ، والمحقّق السبزواري في الذخيرة : ١٣٨ ، والمحقّق القمي في القوانين ٢ : ٢٥.

(٦) تقدّم الكلام عن هذا البعض في الصفحة ٢٠٨.

(٧) في (ر) و (ص): «تنجيز».

وإن كان ثابتا وجب الاحتياط فيه بحكم العقل ؛ إذ يحتمل أن يكون ما يرتكبه من المشتبهين هو الحرام الواقعيّ ، فيعاقب عليه ؛ لأنّ المفروض لمّا كان ثبوت التكليف بذلك المحرّم لم يقبح العقاب عليه إذا اتّفق ارتكابه ولو لم يعلم به (١) حين الارتكاب.

واختبر ذلك من حال العبد إذا قال له المولى : «اجتنب وتحرّز عن الخمر المردّد بين هذين الإناءين» ؛ فإنّك لا تكاد ترتاب في وجوب الاحتياط ، ولا فرق بين هذا الخطاب وبين أدلّة المحرّمات الثابتة في الشريعة إلاّ العموم والخصوص.

توهّم جريان أصالة الحلّ في كلا المشتبهين والتخيير بينهما ودفعه

فإن قلت : أصالة الحلّ في كلا المشتبهين جارية في نفسها ومعتبرة لو لا المعارض ، وغاية ما يلزم في المقام تعارض الأصلين ، فيتخيّر (٢) في العمل (٣) في أحد المشتبهين ، ولا وجه لطرح كليهما.

قلت : أصالة الحلّ غير جارية هنا بعد فرض كون المحرّم الواقعيّ مكلّفا بالاجتناب عنه منجّزا ـ على ما هو مقتضى (٤) الخطاب بالاجتناب عنه ـ ؛ لأنّ مقتضى العقل في الاشتغال اليقينيّ بترك الحرام الواقعيّ هو الاحتياط والتحرّز عن كلا المشتبهين حتّى لا يقع في محذور فعل الحرام ، وهو معنى المرسل المرويّ (٥) في بعض كتب الفتاوى : «اترك ما لا بأس

__________________

(١) لم ترد «به» في (ه).

(٢) في (ر) و (ه): «فتخيّر».

(٣) في (ظ) زيادة : «به».

(٤) في (ظ) زيادة : «عموم».

(٥) لم ترد «المرويّ» في (ت) و (ه).