درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۸۳: احتیاط ۱۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الأخبار الواردة في حلّية ما لم يعلم حرمته :

وبالجملة : فالأخبار الواردة في حلّية ما لم يعلم حرمته على أصناف.

١ ـ أخبار الحلّ والجواب عنها

منها : ما كان من قبيل قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» (١).

وهذا الصنف لا يجوز الاستدلال به لمن لا يرى جواز ارتكاب المشتبهين ؛ لأنّ حمل تلك الأخبار على الواحد لا بعينه في الشبهة المحصورة والآحاد المعيّنة في الشبهة المجرّدة من العلم الإجماليّ والشبهة الغير المحصورة ، متعسّر بل متعذّر ، فيجب حملها على صورة عدم التكليف الفعليّ بالحرام الواقعيّ.

٢ ـ ما دلّ على ارتكاب كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة والجواب عنه

ومنها : ما دلّ على ارتكاب كلا المشتبهين في خصوص الشبهة المحصورة ، مثل الخبر المتقدّم (٢).

وهذا أيضا لا يلتزم المستدلّ بمضمونه ، ولا يجوز حمله على غير الشبهة المحصورة ـ لأنّ مورده فيها ـ ، فيجب حمله على أقرب المحتملين : من ارتكاب البعض مع إبقاء مقدار الحرام ، ومن وروده في مورد خاصّ ، كالربا ونحوه ممّا يمكن الالتزام بخروجه عن قاعدة الشبهة المحصورة.

٣ ـ أخبار جواز الأخذ من العامل والسارق والسلطان والجواب عنها

ومن ذلك يعلم : حال ما ورد في الربا من حلّ جميع المال المختلط به.

ومنها : ما دلّ على جواز أخذ ما علم فيه الحرام إجمالا ، كأخبار

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

(٢) وهي رواية سماعة المتقدّمة في الصفحة ٢١٦ ـ ٢١٧.

جواز الأخذ من العامل (١) والسارق (٢) والسلطان (٣).

وسيجيء : حمل جلّها أو كلّها على كون الحكم بالحلّ مستندا إلى كون الشيء مأخوذا من يد المسلم ، ومتفرّعا على تصرّفه المحمول على الصحّة عند الشكّ.

قاعدة وجوب دفع الضرر المقطوع به بين المشتبهين عقلا

فالخروج بهذه الأصناف من الأخبار عن القاعدة العقليّة الناشئة عمّا دلّ من الأدلّة القطعيّة على وجوب الاجتناب عن العناوين المحرّمة الواقعيّة ـ وهي وجوب دفع الضرر المقطوع به بين المشتبهين ، ووجوب إطاعة التكاليف المعلومة المتوقّفة على الاجتناب عن كلا المشتبهين ـ ، مشكل جدّا ، خصوصا مع اعتضاد القاعدة بوجهين آخرين هما كالدليل على المطلب.

اعتضاد القاعدة بوجهين آخرين

أحدهما : الأخبار الدالّة على هذا المعنى :

١ ـ الأخبار الدالّة على هذه القاعدة

منها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما اجتمع الحلال والحرام إلاّ غلب الحرام الحلال» (٤) ، والمرسل المتقدّم (٥) : «اتركوا ما لا بأس به حذرا عمّا به البأس» ، وضعفها ينجبر بالشهرة المحقّقة والإجماع المدّعى في كلام من تقدّم (٦).

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ١٦١ ، الباب ٥٢ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

(٢) الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٦.

(٣) الوسائل ١٢ : ١٦١ ، الباب ٥٢ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٥.

(٤) المستدرك ١٣ : ٦٨ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٥.

(٥) تقدّم في الصفحة ٢١١ ـ ٢١٢.

(٦) راجع الصفحة ٢١٠.

ومنها : رواية ضريس ، عن السّمن والجبن في أرض المشركين؟ «قال : أمّا ما علمت أنّه قد خلطه الحرام فلا تأكل ، وأمّا ما لم تعلم فكل» (١) ؛ فإنّ الخلط يصدق مع الاشتباه. ورواية ابن سنان : «كلّ شيء حلال حتّى يجيئك شاهدان أنّ فيه الميتة» (٢) ؛ فإنّه يصدق على مجموع قطعات اللحم أنّ فيه الميتة.

ومنها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث التثليث : «وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم» (٣) بناء على أنّ المراد بالهلاكة ما هو أثر للحرام ، فإن كان الحرام لم يتنجّز التكليف به (٤) فالهلاك المترتّب عليه منقصته الذاتيّة (٥) ، وإن كان ممّا يتنجّز التكليف به ـ كما في ما نحن فيه ـ كان المترتب عليه هو العقاب الاخرويّ ، وحيث إنّ دفع العقاب المحتمل واجب بحكم العقل وجب الاجتناب عن كلّ مشتبه بالشبهة المحصورة ، ولمّا كان دفع الضرر غير العقاب غير لازم إجماعا كان الاجتناب عن الشبهة المجرّدة (٦) غير واجب ، بل مستحبّا.

__________________

(١) الوسائل ١٦ : ٤٠٣ ، الباب ٦٤ من أبواب حكم السمن والجبن ، الحديث الأوّل.

(٢) الوسائل ١٧ : ٩١ ، الباب ٦١ من أبواب الأطعمة المباحة ، الحديث ٢ ، وفيه أنّ الراوي ابن سليمان.

(٣) الوسائل ١٨ : ١١٤ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٩.

(٤) في (ظ) زيادة : «لأجل الجهل».

(٥) في (ر) ، (ص) و (ه): «منقصة ذاتيّة».

(٦) في (ص) و (ظ) زيادة : «عن العلم الإجمالي».

وفائدة الاستدلال بمثل هذا الخبر : معارضته لما يفرض من الدليل على جواز ارتكاب أحد المشتبهين مخيّرا ، وجعل الآخر بدلا عن الحرام الواقعيّ ؛ فإنّ مثل هذا الدليل ـ لو فرض وجوده (١) ـ حاكم على الأدلّة الدالّة على الاجتناب عن عنوان المحرّم الواقعيّ ، لكنّه معارض بمثل خبر التثليث وبالنبويّين (٢) ، بل مخصّص بهما (٣) لو فرض عمومه للشبهة. الابتدائيّة ، فيسلم تلك الأدلّة ، فتأمّل (٤).

ما يستفاد من أخبار كثيرة : من كون الاجتناب عن كلّ واحد من المشتبهين أمرا مسلّما

الثاني : ما يستفاد من أخبار كثيرة : من كون الاجتناب عن كلّ واحد من المشتبهين أمرا مسلّما مفروغا عنه بين الأئمّة عليهم‌السلام والشيعة ، بل العامّة أيضا ، بل استدلّ صاحب الحدائق على أصل القاعدة باستقراء مواردها في الشريعة (٥)

لكنّ الإنصاف : عدم بلوغ ذلك حدّا يمكن الاعتماد عليه مستقلا ، وإن كان ما يستشمّ منها قولا وتقريرا ـ من الروايات ـ كثيرة :

منها : ما ورد في الماءين المشتبهين (٦) ، خصوصا مع فتوى الأصحاب (٧) ـ بلا خلاف بينهم ـ على وجوب الاجتناب عن استعمالهما مطلقا.

__________________

(١) لم ترد «لو فرض وجوده» في (ظ).

(٢) المتقدّمين في الصفحة ٢١٩.

(٣) في (ه): «بها».

(٤) «فتأمّل» من (ت) و (ه).

(٥) انظر الحدائق ١ : ٥٠٣.

(٦) الوسائل ١ : ١١٦ ، الباب ٨ من أبواب الماء المطلق ، الحديث ١٤.

(٧) انظر مفتاح الكرامة ١ : ١٢٦ ـ ١٢٧ ، والجواهر ١ : ٢٩٠.

ومنها : ما ورد في الصلاة في الثوبين المشتبهين (١).

ومنها : ما ورد في وجوب غسل الثوب من الناحية التي يعلم بإصابة بعضها للنجاسة معلّلا بقوله عليه‌السلام : «حتّى يكون على يقين من طهارته» (٢).

فإنّ وجوب تحصيل اليقين بالطهارة ـ على ما يستفاد من التعليل ـ يدلّ على عدم جريان أصالة الطهارة بعد العلم الإجماليّ بالنجاسة ، وهو الذي بنينا عليه وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة وعدم جواز الرجوع فيها إلى أصالة الحلّ ؛ فإنّه لو جرت (٣) أصالة الطهارة وأصالة حلّ الطهارة والصلاة (٤) في بعض المشتبهين ، لم يكن للأحكام المذكورة وجه ، ولا للتعليل في الحكم (٥) الأخير بوجوب تحصيل اليقين بالطهارة بعد اليقين بالنجاسة.

ومنها : ما دلّ على بيع الذبائح المختلط ميتتها بمذكّاها (٦) من أهل الكتاب (٧) ؛ بناء على حملها على ما لا يخالف عمومات حرمة بيع الميتة ، بأن يقصد بيع المذكّى خاصّة أو مع ما لا تحلّه الحياة

__________________

(١) الوسائل ٢ : ١٠٨٢ ، الباب ٦٤ من أبواب النجاسات ، الحديث الأوّل.

(٢) الوسائل ٢ : ١٠٠٦ ، الباب ٧ من أبواب النجاسات ، الحديث ٢.

(٣) كذا في (ت) و (ه) ، وفي (ظ): «اجري».

(٤) كذا في (ص) و (ظ) ، وفي (ر) بدل «حلّ الطهارة والصلاة» : «الحلّ».

(٥) في (ر) و (ه): «حكم».

(٦) في (ه) زيادة : «ممّن يستحلّ الميتة».

(٧) الوسائل ١٢ : ٦٧ ، الباب ٧ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ١ و ٢.

من الميتة (١).

الاستئناس لما ذكرنا برواية وجوب القرعة في قطيع الغنم

وقد يستأنس له : بما (٢) ورد من وجوب القرعة في قطيع الغنم المعلوم وجود الموطوء في بعضها ، وهي الرواية المحكيّة في جواب الإمام الجواد عليه‌السلام لسؤال يحيى بن أكثم عن قطيع غنم نزى الراعي على واحدة منها ثمّ أرسلها في الغنم؟ حيث قال عليه‌السلام :

«يقسّم الغنم نصفين ثمّ يقرع بينهما ، فكلّ ما وقع السهم عليه قسم غيره قسمين ، وهكذا حتّى يبقى واحد ونجا الباقي» (٣).

وهي حجّة القول بوجوب القرعة ، لكنّها لا تنهض لإثبات حكم مخالف للاصول.

نعم ، هي دالّة على عدم جواز ارتكاب شيء منها قبل القرعة ؛ فإنّ التكليف بالاجتناب عن الموطوءة الواقعيّة واجب بالاجتناب عن الكلّ حتّى يتميّز الحلال ولو بطريق شرعيّ.

الرواية أدلّ على مطلب الخصم

هذا ، ولكنّ الإنصاف : أنّ الرواية أدلّ على مطلب الخصم بناء على حمل القرعة على الاستحباب ؛ إذ على قول المشهور لا بدّ من طرح الرواية أو العمل بها في خصوص موردها.

__________________

(١) في (ت) و (ه) زيادة : «فتدبّر».

(٢) في (ه): «ممّا».

(٣) تحف العقول : ٤٨٠ ، الحديث منقول بالمعنى.