درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۸۹: احتیاط ۱۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الثالث

وجوب الاجتناب إنّما هو مع تنجّز التكليف على كلّ تقدير

لو لم يكلّف بالتكليف على كلّ تقدير

أنّ وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين إنّما هو مع تنجّز التكليف بالحرام الواقعيّ على كلّ تقدير ، بأن يكون كلّ منهما بحيث لو فرض القطع بكونه الحرام كان التكليف بالاجتناب منجّزا ، فلو لم يكن كذلك بأن لم يكلّف به أصلا ، كما لو علم بوقوع قطرة من البول في أحد إناءين أحدهما بول أو متنجّس بالبول أو كثير لا ينفعل بالنجاسة ، أو أحد ثوبين أحدهما نجس بتمامه ، لم يجب الاجتناب عن الآخر ؛ لعدم العلم بحدوث التكليف بالاجتناب عن ملاقي هذه القطرة ؛ إذ لو كان ملاقيها هو الإناء النجس لم يحدث بسببه تكليف بالاجتناب أصلا ، فالشكّ في التكليف بالاجتناب عن الآخر شكّ في أصل التكليف لا المكلّف به.

لو كان التكليف في أحدهما معلّقا على تمكّن المكلّف منه

وكذا : لو كان التكليف في أحدهما معلوما لكن لا على وجه التنجّز ، بل معلّقا على تمكّن المكلّف منه ، فإنّ ما لا يتمكّن المكلّف من ارتكابه لا يكلّف منجّزا بالاجتناب عنه ، كما لو علم بوقوع (١) النجاسة

__________________

(١) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «وقوع».

في أحد شيئين لا يتمكّن المكلّف من ارتكاب واحد معيّن منهما ، فلا يجب الاجتناب عن الآخر ؛ لأنّ الشكّ في أصل تنجّز التكليف ، لا في المكلّف به تكليفا منجّزا.

لو كان أحدهما المعيّن غير مبتلى به

وكذا : لو كان ارتكاب الواحد المعيّن ممكنا عقلا ، لكنّ المكلّف أجنبيّ عنه وغير مبتل به بحسب حاله ، كما إذا تردّد النجس بين إنائه وإناء آخر (١) لا دخل للمكلّف فيه أصلا ؛ فإنّ التكليف بالاجتناب عن هذا الإناء الآخر المتمكّن عقلا غير منجّز عرفا ؛ ولهذا لا يحسن التكليف المنجّز بالاجتناب عن الطعام أو الثوب الذي ليس من شأن المكلّف الابتلاء به.

نعم ، يحسن الأمر بالاجتناب عنه مقيّدا بقوله : إذا اتّفق لك الابتلاء بذلك بعارية أو تملّك (٢) أو إباحة فاجتنب عنه.

اختصاص النواهي بمن يعدّ مبتلى بالواقعة المنهيّة عنها والسرّ في ذلك

والحاصل : أنّ النواهي المطلوب فيها حمل المكلّف على الترك مختصّة ـ بحكم العقل والعرف ـ بمن يعدّ مبتلى بالواقعة المنهيّ عنها ؛ ولذا يعدّ خطاب غيره بالترك مستهجنا إلاّ على وجه التقييد بصورة الابتلاء.

ولعلّ السرّ في ذلك : أنّ غير المبتلي تارك للمنهيّ عنه بنفس عدم ابتلائه (٣) ، فلا حاجة إلى نهيه ، فعند الاشتباه لا يعلم المكلّف بتنجّز التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعيّ.

وهذا باب واسع ينحلّ به الإشكال عمّا علم من عدم وجوب

__________________

(١) في (ر) ، (ص) و (ه): «وبين إناء الآخر».

(٢) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «بملك».

(٣) في (ت) و (ه): «الابتلاء».

حل الإشكال بها ذكرنا عن كثير من مواقع عدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة

الاجتناب عن الشبهة المحصورة في مواقع ، مثل ما إذا علم إجمالا بوقوع النجاسة في إنائه أو في موضع من الأرض لا يبتلي به المكلّف عادة ، أو بوقوع النجاسة في ثوب أو ثوب الغير ، فإنّ الثوبين لكلّ (١) منهما من باب الشبهة المحصورة مع عدم وجوب اجتنابهما ، فإذا أجرى أحدهما في ثوبه أصالة الحلّ والطهارة لم يعارض بجريانهما في ثوب غيره ؛ إذ لا يترتّب على هذا المعارض ثمرة عمليّة للمكلّف يلزم من ترتّبها مع العمل بذلك الأصل طرح تكليف متنجّز بالأمر المعلوم إجمالا.

ألا ترى : أنّ زوجة شخص لو شكّت في أنّها هي المطلّقة أو غيرها من ضرّاتها جاز لها ترتيب أحكام الزوجيّة على نفسها ، ولو شكّ الزوج هذا الشكّ لم يجز له النظر إلى إحداهما ؛ وليس ذلك إلاّ لأنّ أصالة عدم تطليقه كلاّ (٢) منهما متعارضان في حقّ الزوج ، بخلاف الزوجة ؛ فإنّ أصالة عدم تطلّق ضرّتها لا تثمر لها ثمرة عمليّة.

نعم ، لو اتّفق ترتّب تكليف على زوجيّة ضرّتها دخلت في الشبهة المحصورة ، ومثل ذلك كثير في الغاية.

اندفاع ما أفاده صاحب المدارك فيما تقدّم بما ذكرنا

وممّا ذكرنا يندفع ما تقدّم من صاحب المدارك رحمه‌الله (٣) : من الاستنهاض على ما اختاره ـ من عدم وجوب الاجتناب (٤) في الشبهة المحصورة ـ بما (٥) يستفاد من الأصحاب : من عدم وجوب الاجتناب عن

__________________

(١) في (ت) و (ه): «كلّ».

(٢) كذا في (ص) ، وفي (ت) و (ر): «لكلّ» ، وفي (ه): «في كلّ».

(٣) راجع الصفحة ٢٢٥.

(٤) في (ظ): «الاحتياط».

(٥) في (ص): «ممّا».