درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۹۰: احتیاط ۱۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

حل الإشكال بها ذكرنا عن كثير من مواقع عدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة

الاجتناب عن الشبهة المحصورة في مواقع ، مثل ما إذا علم إجمالا بوقوع النجاسة في إنائه أو في موضع من الأرض لا يبتلي به المكلّف عادة ، أو بوقوع النجاسة في ثوب أو ثوب الغير ، فإنّ الثوبين لكلّ (١) منهما من باب الشبهة المحصورة مع عدم وجوب اجتنابهما ، فإذا أجرى أحدهما في ثوبه أصالة الحلّ والطهارة لم يعارض بجريانهما في ثوب غيره ؛ إذ لا يترتّب على هذا المعارض ثمرة عمليّة للمكلّف يلزم من ترتّبها مع العمل بذلك الأصل طرح تكليف متنجّز بالأمر المعلوم إجمالا.

ألا ترى : أنّ زوجة شخص لو شكّت في أنّها هي المطلّقة أو غيرها من ضرّاتها جاز لها ترتيب أحكام الزوجيّة على نفسها ، ولو شكّ الزوج هذا الشكّ لم يجز له النظر إلى إحداهما ؛ وليس ذلك إلاّ لأنّ أصالة عدم تطليقه كلاّ (٢) منهما متعارضان في حقّ الزوج ، بخلاف الزوجة ؛ فإنّ أصالة عدم تطلّق ضرّتها لا تثمر لها ثمرة عمليّة.

نعم ، لو اتّفق ترتّب تكليف على زوجيّة ضرّتها دخلت في الشبهة المحصورة ، ومثل ذلك كثير في الغاية.

اندفاع ما أفاده صاحب المدارك فيما تقدّم بما ذكرنا

وممّا ذكرنا يندفع ما تقدّم من صاحب المدارك رحمه‌الله (٣) : من الاستنهاض على ما اختاره ـ من عدم وجوب الاجتناب (٤) في الشبهة المحصورة ـ بما (٥) يستفاد من الأصحاب : من عدم وجوب الاجتناب عن

__________________

(١) في (ت) و (ه): «كلّ».

(٢) كذا في (ص) ، وفي (ت) و (ر): «لكلّ» ، وفي (ه): «في كلّ».

(٣) راجع الصفحة ٢٢٥.

(٤) في (ظ): «الاحتياط».

(٥) في (ص): «ممّا».

الإناء الذي علم بوقوع النجاسة فيه أو في خارجه ؛ إذ لا يخفى أنّ خارج الإناء ـ سواء كان ظهره أو الأرض القريبة منه ـ ليس ممّا يبتلي به المكلّف عادة ، ولو فرض كون الخارج ممّا يسجد عليه المكلّف التزمنا بوجوب الاجتناب عنهما ؛ للعلم الإجماليّ بالتكليف المردّد بين حرمة الوضوء بالماء النجس وحرمة السجدة على الأرض النجسة.

تأييد ما ذكرنا

ويؤيّد ما ذكرنا : صحيحة عليّ بن جعفر ، عن أخيه عليهما‌السلام ، الواردة في من رعف فامتخط فصار الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه ، هل يصلح الوضوء منه؟ فقال عليه‌السلام : «إن لم يكن شيء يستبين في الماء فلا بأس به ، وإن كان شيئا بيّنا فلا» (١).

حيث استدلّ به الشيخ قدس‌سره على العفو عمّا لا يدركه الطرف من الدم (٢) ، وحملها المشهور (٣) على أنّ إصابة الإناء لا يستلزم إصابة الماء ، فالمراد أنّه مع عدم تبيّن شيء في الماء يحكم بطهارته ، ومعلوم أنّ ظهر الإناء وباطنه الحاوي للماء من الشبهة المحصورة.

وما ذكرنا ، واضح لمن تدبّر.

خفاء تشخيص موارد الابتلاء وعدمه غالبا

إلاّ أنّ الإنصاف : أنّ تشخيص موارد الابتلاء لكلّ من المشتبهين وعدم الابتلاء بواحد معيّن منهما كثيرا ما يخفى.

ألا ترى : أنّه لو دار الأمر بين وقوع النجاسة على الثوب ووقوعها على ظهر طائر أو حيوان قريب منه لا يتّفق عادة ابتلاؤه

__________________

(١) الوسائل ١ : ١١٢ ، الباب ٨ من أبواب الماء المطلق ، الحديث الأوّل.

(٢) انظر الاستبصار ١ : ٢٣ ، الباب ١٠ من أبواب المياه ، ذيل الحديث ١٢.

(٣) تقدّمت الإشارة إلى هذا التأويل في الصفحة ٢٢٦.

بالموضع النجس منه ، لم يشكّ أحد في عدم وجوب الاجتناب عن ثوبه ، وأمّا لو كان الطرف الآخر أرضا لا يبعد ابتلاء المكلّف به في السجود والتيمّم وإن لم يحتج إلى ذلك فعلا ، ففيه تأمّل.

المعيار صحّة التكليف وحسنه غير مقيّد بصورة الابتلاء

والمعيار في ذلك وإن كان صحّة التكليف بالاجتناب عنه على تقدير العلم بنجاسته وحسن ذلك من غير تقييد التكليف بصورة الابتلاء (١) واتّفاق صيرورته واقعة له ، إلاّ أنّ تشخيص ذلك مشكل جدّا.

لو شكّ في حسن التكليف التنجيزي فالأصل البراءة

نعم ، يمكن أن يقال عند الشكّ في حسن التكليف التنجيزيّ عرفا بالاجتناب وعدم حسنه إلاّ معلّقا : الأصل البراءة من التكليف المنجّز ، كما هو المقرّر في كلّ ما شكّ فيه في كون التكليف منجّزا أو معلّقا على أمر محقّق العدم ، أو علم التعليق على أمر لكن شكّ في تحقّقه أو كون المتحقّق من أفراده كما في المقام.

الأولى الرجوع إلى الإطلاقات

إلاّ أنّ هذا ليس بأولى من أن يقال : إنّ الخطابات بالاجتناب عن المحرّمات مطلقة غير معلّقة ، والمعلوم تقييدها بالابتلاء في موضع العلم بتقبيح العرف توجيهها من غير تعلّق (٢) بالابتلاء ، كما لو قال : «اجتنب عن ذلك الطعام النجس الموضوع قدّام أمير البلد» مع عدم جريان العادة بابتلاء المكلّف به ، أو : «لا تصرّف في اللباس المغصوب الذي لبسه ذلك الملك أو الجارية التي غصبها الملك وجعلها من خواصّ نسوانه» ، مع عدم استحالة ابتلاء المكلّف بذلك كلّه عقلا ولا عادة ، إلاّ

__________________

(١) في (ظ) زيادة : «به».

(٢) الأنسب : «تعليق».

أنّه بعيد الاتّفاق ، وأمّا إذا شكّ في قبح التنجيز فيرجع إلى الإطلاقات.

هل يجوز التمسّك بالمطلق المقيّد بقيد مشكوك التحقّق لتعذّر ضبط مفهوم ، أم لا؟

فمرجع المسألة إلى : أنّ المطلق المقيّد بقيد مشكوك التحقّق في بعض الموارد ـ لتعذّر ضبط مفهومه على وجه لا يخفى مصداق من مصاديقه ، كما هو شأن أغلب المفاهيم العرفيّة ـ هل يجوز التمسّك به أو لا؟ والأقوى : الجواز ، فيصير الأصل في المسألة وجوب الاجتناب ، إلاّ ما علم عدم تنجّز التكليف بأحد المشتبهين على تقدير العلم بكونه الحرام.

إلاّ أن يقال : إنّ المستفاد من صحيحة عليّ بن جعفر المتقدّمة (١) كون الماء وظاهر الإناء من قبيل عدم تنجّز التكليف ، فيكون ذلك ضابطا في الابتلاء وعدمه ؛ إذ يبعد حملها على خروج ذلك عن قاعدة الشبهة المحصورة لأجل النصّ ، فافهم.

__________________

(١) تقدّمت في الصفحة ٢٣٦.