درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۹۱: احتیاط ۱۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الرابع

الثابت في المشتبهين وجوب الاجتناب دون سائر الآثار الشرعيّة

أنّ الثابت في كلّ من المشتبهين ـ لأجل العلم الإجماليّ بوجود الحرام الواقعيّ فيهما ـ هو وجوب الاجتناب ؛ لأنّه اللازم من باب المقدّمة من التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعيّ ، أمّا سائر الآثار الشرعيّة المترتّبة على ذلك الحرام فلا تترتّب عليهما ؛ لعدم جريان باب المقدّمة فيها ، فيرجع فيها إلى الاصول الجارية في كلّ من المشتبهين بالخصوص ، فارتكاب أحد المشتبهين لا يوجب حدّ الخمر على المرتكب ، بل يجري أصالة عدم موجب الحدّ ووجوبه.

هل يحكم بتنجّس ملاقي أحد المشتبهين؟

وهل يحكم بتنجّس ملاقيه؟ وجهان ، بل قولان مبنيّان على أنّ تنجّس الملاقي إنّما جاء من وجوب الاجتناب عن ذلك النجس ؛ بناء على أنّ الاجتناب عن النجس يراد به ما يعمّ الاجتناب عن ملاقيه ولو بوسائط ؛ ولذا استدلّ السيّد أبو المكارم في الغنية على تنجّس الماء القليل بملاقاة النجاسة ، بما دلّ على وجوب هجر النجاسات في قوله تعالى : ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾(١) ، ويدلّ عليه أيضا ما في بعض الأخبار ،

__________________

(١) الغنية : ٤٦ ، والآية من سورة المدّثّر : ٥.

من استدلاله عليه‌السلام على حرمة الطعام الذي مات فيه فأرة ب : «أنّ الله سبحانه حرّم الميتة» (١) ، فإذا حكم الشارع بوجوب هجر كلّ واحد من المشتبهين فقد حكم بوجوب هجر كلّ ما لاقاه. وهذا معنى ما استدلّ به العلاّمة قدس‌سره في المنتهى على ذلك (٢) : بأنّ الشارع أعطاهما حكم النجس ؛ وإلاّ فلم يقل أحد : إنّ كلاّ من المشتبهين بحكم النجس في جميع آثاره.

أو أنّ الاجتناب عن النجس لا يراد به إلاّ الاجتناب عن العين ، وتنجّس الملاقي للنجس حكم وضعيّ سببيّ يترتّب على العنوان الواقعيّ من النجاسات نظير وجوب الحدّ للخمر ، فإذا شكّ في ثبوته للملاقي جرى فيه أصل الطهارة وأصل الإباحة.

الأقوى عدم الحكم بالتنجّس وعدم تماميّة الأدلّة المذكورة

والأقوى : هو الثاني.

أمّا أوّلا : فلما ذكر ، وحاصله : منع ما في الغنية ، من دلالة وجوب هجر الرجز (٣) على وجوب الاجتناب عن ملاقي الرجز إذا لم يكن عليه أثر من ذلك الرجز ، فتجنّبه (٤) حينئذ ليس إلاّ لمجرّد تعبّد خاصّ ، فإذا حكم الشارع بوجوب هجر المشتبه في الشبهة المحصورة ، فلا يدلّ على وجوب هجر ما يلاقيه.

__________________

(١) الوسائل ١ : ١٤٩ ، الباب ٥ من أبواب الماء المطلق ، الحديث ٢ ، وسيأتي نصّ الرواية في الصفحة اللاحقة.

(٢) انظر المنتهى ١ : ١٧٨.

(٣) في (ر) ، (ص) و (ظ): «النجس».

(٤) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «فتنجيسه».

نعم ، قد يدلّ بواسطة بعض الأمارات الخارجيّة ، كما استفيد نجاسة البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء من أمر الشارع بالطهارة عقيبه ؛ من جهة استظهار أنّ الشارع جعل هذا المورد من موارد تقديم الظاهر على الأصل ، فحكم بكون الخارج بولا ، لا أنّه أوجب خصوص الوضوء بخروجه.

وبه يندفع تعجّب صاحب الحدائق من حكمهم بعدم النجاسة فيما نحن فيه وحكمهم بها في البلل ، مع كون كلّ منهما مشتبها حكم عليه ببعض أحكام النجاسة (١).

رواية عمرو ابن شمر

وأمّا الرواية ، فهي رواية عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفيّ ، عن أبي جعفر عليه‌السلام : «أنّه أتاه رجل فقال له : وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت ، فما ترى في أكله؟ فقال أبو جعفر عليه‌السلام : لا تأكله ، فقال الرجل : الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي لأجلها ، فقال له أبو جعفر عليه‌السلام : إنّك لم تستخفّ بالفأرة وإنّما استخففت بدينك ، إنّ الله حرّم الميتة من كلّ شيء» (٢).

الاستدلال برواية عمرو بن شمر على تنجّس الملاقي

وجه الدلالة : أنّه عليه‌السلام جعل ترك الاجتناب عن الطعام استخفافا بتحريم الميتة ، ولو لا استلزامه لتحريم ملاقيه لم يكن أكل الطعام استخفافا بتحريم الميتة ؛ فوجوب الاجتناب عن شيء يستلزم وجوب الاجتناب عن ملاقيه.

الجواب عن الرواية

لكنّ الرواية ضعيفة سندا. مع أنّ الظاهر من الحرمة فيها النجاسة ؛

__________________

(١) انظر الحدائق ١ : ٥١٤.

(٢) الوسائل ١ : ١٤٩ ، الباب ٥ من أبواب الماء المطلق ، الحديث ٢.

لأنّ مجرّد التحريم لا يدلّ على النجاسة فضلا عن تنجّس الملاقي ، وارتكاب التخصيص في الرواية بإخراج ما عدا النجاسات من المحرّمات ، كما ترى ؛ فالملازمة بين نجاسة الشيء وتنجّس ملاقيه ، لا حرمة الشيء وحرمة ملاقيه.

فإن قلت : وجوب الاجتناب عن ملاقي المشتبه وإن لم يكن من حيث ملاقاته له ، إلاّ أنّه يصير كملاقيه في العلم الإجمالي بنجاسته أو نجاسة المشتبه الآخر ، فلا فرق بين المتلاقيين في كون كلّ منهما أحد طرفي الشبهة ، فهو نظير ما إذا قسم أحد المشتبهين قسمين وجعل كلّ قسم في إناء.

أصالة الطهارة والحلّ في الملاقي سليمة عن المعارض

قلت : ليس الأمر كذلك ؛ لأنّ أصالة الطهارة والحلّ في الملاقي ـ بالكسر ـ سليم عن معارضة أصالة طهارة المشتبه الآخر ، بخلاف أصالة الطهارة والحلّ في الملاقي ـ بالفتح ـ فإنّها معارضة بها في المشتبه الآخر.

والسرّ في ذلك : أنّ الشكّ في الملاقي ـ بالكسر ـ ناش عن الشبهة المتقوّمة بالمشتبهين ؛ فالأصل فيهما (١) أصل في الشكّ السببيّ ، والأصل فيه أصل في الشكّ المسبّبي (٢) ، وقد تقرّر في محلّه (٣) : أنّ الأصل في الشكّ السببيّ حاكم (٤) على الأصل في الشكّ المسبّبي (٥) ـ سواء كان مخالفا له ،

__________________

(١) في (ر) ، (ص) ومحتمل (ظ): «فيها».

(٢) في (ظ) و (ه): «المسبّب».

(٣) انظر مبحث الاستصحاب ٣ : ٣٩٤.

(٤) في (ت) ، (ظ) و (ه) زيادة : «ووارد».

(٥) في (ر) ، (ظ) و (ه): «المسبّب».