درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۰۶: احتیاط ۳۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الفاضل القمّي رحمه‌الله : الميل إليه (١) ، والأقوى ما عرفت (٢).

الأقوى وجوب الموافقة القطعيّة والدليل عليه

وأمّا الثاني : ففيه قولان ، أقواهما (٣) الوجوب ؛ لوجود المقتضي وعدم المانع.

أمّا الأوّل ؛ فلأنّ وجوب الأمر المردّد ثابت في الواقع ، والأمر به على وجه يعمّ العالم والجاهل صادر عن الشارع واصل إلى من علم به تفصيلا ؛ إذ ليس موضوع الوجوب في الأوامر مختصّا بالعالم بها ؛ وإلاّ لزم الدور كما ذكره العلاّمة رحمه‌الله في التحرير (٤) ؛ لأنّ العلم بالوجوب موقوف على الوجوب ، فكيف يتوقّف الوجوب عليه؟

عدم كون الجهل التفصيلي عذرا لا عقلا ولا نقلا

وأمّا المانع ؛ فلأنّ المتصوّر منه ليس إلاّ الجهل التفصيليّ بالواجب ، وهو غير مانع عقلا ولا نقلا.

أمّا العقل ؛ فلأنّ حكمه بالعذر : إن كان من جهة عجز الجاهل عن الإتيان بالواقع ـ حتّى يرجع الجهل إلى فقد شرط من شروط وجود المأمور به ـ فلا استقلال للعقل بذلك ، كما يشهد به جواز التكليف بالمجمل في الجملة ، كما اعترف به غير واحد ممّن قال بالبراءة فيما نحن فيه ، كما سيأتي (٥).

وإن كان من جهة كونه غير قابل لتوجّه (٦) التكليف إليه ، فهو

__________________

(١) القوانين ٢ : ٣٧.

(٢) أي : حرمة المخالفة القطعيّة.

(٣) في (ظ): «أقربهما».

(٤) لم نعثر عليه في التحرير ، نعم ذكره في المنتهى ٤ : ٢٣٠.

(٥) انظر الصفحة ٢٨٤ ـ ٢٨٥.

(٦) في (ه): «لتوجيه».

أشدّ منعا (١) ؛ وإلاّ لجاز إهمال المعلوم إجمالا رأسا بالمخالفة القطعيّة ؛ فلا وجه لالتزام حرمة المخالفة القطعيّة. ولقبح عقاب الجاهل المقصّر على ترك (٢) الواجبات الواقعيّة وفعل المحرّمات ، كما هو المشهور.

ودعوى : أنّ مرادهم تكليف الجاهل في حال الجهل برفع الجهل والإتيان بالواقع ، نظير تكليف الجنب بالصلاة حال الجنابة ، لا التكليف (٣) بإتيانه مع وصف الجهل ؛ فلا تنافي بين كون الجهل مانعا وبين (٤) التكليف في حاله ، وإنّما الكلام في تكليف الجاهل مع وصف الجهل ؛ لأنّ المفروض فيما نحن فيه عجزه عن تحصيل العلم.

مدفوعة برجوعها حينئذ إلى ما تقدّم : من دعوى كون عدم الجهل من شروط وجود المأمور به نظير الجنابة ، وقد تقدّم بطلانها (٥).

وأمّا النقل ، فليس فيه ما يدلّ على العذر ؛ لأنّ أدلّة البراءة غير جارية في المقام ؛ لاستلزام إجرائها جواز المخالفة القطعيّة ، والكلام بعد فرض حرمتها.

دلالة بعض الأخبار على وجوب الاحتياط في المسألة

بل في بعض الأخبار ما يدلّ على وجوب الاحتياط ، مثل : صحيحة عبد الرحمن ـ المتقدّمة (٦) ـ في جزاء الصيد : «إذا أصبتم مثل

__________________

(١) في (ت) ونسخة بدل (ه): «ضعفا».

(٢) في (ر) و (ظ): «بترك».

(٣) في (ظ): «لا تكليفه».

(٤) «بين» من (ظ).

(٥) راجع الصفحة السابقة.

(٦) المتقدّمة في الصفحة ٧٦.

هذا ولم تدروا ، فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه فتعلموا» وغيرها (١).

فإن قلت : إنّ تجويز الشارع لترك أحد المحتملين والاكتفاء بالآخر يكشف عن عدم كون العلم الإجماليّ علّة تامّة لوجوب الإطاعة (٢) ، كما أنّ عدم تجويز الشارع للمخالفة مع العلم التفصيليّ دليل على كون العلم التفصيليّ علّة تامّة لوجوب الإطاعة ، وحينئذ فلا ملازمة بين العلم الإجماليّ ووجوب الإطاعة ، فيحتاج إثبات الوجوب إلى دليل آخر غير العلم الإجماليّ ، وحيث كان مفقودا فأصل البراءة يقتضي عدم وجوب الجمع وقبح العقاب على تركه ؛ لعدم البيان.

نعم ، لمّا كان ترك الكلّ معصية عند العقلاء حكم بحرمتها (٣) ، ولا تدلّ حرمة المخالفة القطعيّة على وجوب الموافقة القطعيّة.

العلم الإجمالي كالتفصيلي علّة تامّة لتنجّز التكليف بالمعلوم

قلت : العلم الإجماليّ كالتفصيليّ علّة تامّة لتنجّز التكليف بالمعلوم ، إلاّ أنّ المعلوم إجمالا يصلح لأن يجعل أحد محتمليه بدلا عنه في الظاهر ، فكلّ مورد حكم الشارع بكفاية أحد المحتملين للواقع ـ إمّا تعيينا كحكمه بالأخذ (٤) بالاحتمال المطابق للحالة السابقة ، وإمّا تخييرا كما في موارد التخيير بين الاحتمالين ـ فهو من باب الاكتفاء عن الواقع بذلك المحتمل ، لا الترخيص لترك الواقع بلا بدل في الجملة ؛ فإنّ الواقع إذا علم به (٥)

__________________

(١) انظر الوسائل ٥ : ٣٦٥ ، الباب ١١ من أبواب قضاء الصلوات ، الحديث ١ و ٢.

(٢) في (ص) زيادة : «حينئذ».

(٣) في غير (ظ): «بتحريمها».

(٤) «بالأخذ» من (ه).

(٥) في (ر) و (ظ) زيادة : «ولو إجمالا».

وعلم إرادة المولى بشيء وصدور الخطاب عنه إلى العبيد وإن لم يصل إليهم ، لم يكن بدّ عن موافقته إمّا حقيقة بالاحتياط ، وإمّا حكما بفعل ما جعله الشارع بدلا عنه ، وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك في الشبهة المحصورة (١).

عدم جواز التمسّك في المسألة بأدلّة البراءة

وممّا ذكرنا يظهر : عدم جواز التمسّك في المقام بأدلّة البراءة ، مثل رواية الحجب (٢) والتوسعة (٣) ونحوهما (٤) ؛ لأنّ العمل بها في كلّ من الموردين بخصوصه يوجب طرحها بالنسبة إلى أحدهما المعيّن عند الله المعلوم وجوبه ؛ فإنّ وجوب واحدة من الظهر والجمعة أو من القصر والإتمام ممّا لم يحجب الله علمه عنّا ، فليس موضوعا عنّا ولسنا في سعة منه ، فلا بدّ إمّا من الحكم بعدم جريان هذه الأخبار في مثل المقام ممّا علم وجوب شيء إجمالا ، وإمّا من الحكم بأنّ شمولها للواحد المعيّن المعلوم وجوبه ودلالتها بالمفهوم على عدم كونه موضوعا عن العباد وكونه محمولا عليهم ومأخوذين به وملزمين عليه (٥) ، دليل علميّ ـ بضميمة حكم العقل بوجوب المقدّمة العلميّة ـ على وجوب الإتيان بكلّ من الخصوصيّتين ، فالعلم بوجوب كلّ منهما لنفسه وإن كان محجوبا

__________________

(١) راجع الصفحة ٢١٢ ـ ٢١٣.

(٢) الوسائل ١٨ : ١١٩ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٨.

(٣) عوالي اللآلي ١ : ٤٢٤ ، الحديث ١٠٩.

(٤) انظر الوسائل ١١ : ٢٩٥ ، الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس ، الحديث ١ ، ٢ و ٣.

(٥) كذا في النسخ.