درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۱۱: احتیاط ۳۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الأمر المقدّمي (١) ، وعدم صيرورة المقدّمة بسببه عبادة ، وذكرنا ورود الإشكال من هذه الجهة على كون التيمّم من العبادات على تقدير عدم القول برجحانه في نفسه كالوضوء ؛ فإنّه لا منشأ حينئذ لكونه منها إلاّ الأمر المقدّميّ به من الشارع.

هل يمكن إثبات الوجوب الشرعي المصحّح لنيّة الوجه والقربة؟

فإن قلت : يمكن إثبات الوجوب الشرعيّ المصحّح لنيّة الوجه والقربة في المحتملين ؛ لأنّ الأوّل منهما واجب بالإجماع ولو فرارا عن المخالفة القطعيّة ، والثاني واجب بحكم الاستصحاب المثبت للوجوب الشرعيّ الظاهريّ ؛ فإنّ مقتضى الاستصحاب بقاء الاشتغال وعدم الإتيان بالواجب الواقعيّ وبقاء وجوبه.

قلت : أمّا المحتمل المأتيّ به أوّلا فليس واجبا في الشرع لخصوص كونه ظهرا أو جمعة ، وإنّما وجب لاحتمال تحقّق الواجب به الموجب للفرار عن المخالفة ، أو للقطع بالموافقة إذا اتي معه بالمحتمل الآخر ، وعلى أيّ تقدير فمرجعه إلى الأمر بإحراز الواقع ولو احتمالا.

وأمّا المحتمل الثاني فهو أيضا ليس إلاّ بحكم العقل من باب المقدّمة. وما ذكر من الاستصحاب ، فيه ـ بعد منع جريان الاستصحاب في هذا المقام ؛ من جهة حكم العقل من أوّل الأمر بوجوب الجميع و (٢) بعد الإتيان بأحدهما يكون حكم العقل باقيا قطعا ؛ وإلاّ لم يكن حاكما بوجوب الجميع وهو خلاف الفرض ـ :

أنّ مقتضى الاستصحاب وجوب البناء على بقاء الاشتغال حتّى

__________________

(١) انظر مطارح الأنظار : ٧١.

(٢) في (ت) و (ر) بدل «و» : «إذ».

يحصل اليقين بارتفاعه ، أمّا وجوب تحصيل اليقين بارتفاعه فلا يدلّ عليه الاستصحاب ، وإنّما يدلّ عليه العقل المستقلّ بوجوب القطع بتفريغ الذمّة عند اشتغالها ، وهذا معنى الاحتياط ، فمرجع الأمر إليه.

وأمّا استصحاب وجوب ما وجب سابقا في الواقع أو استصحاب عدم الإتيان بالواجب الواقعيّ ، فشيء منهما لا يثبت وجوب المحتمل الثاني حتّى يكون وجوبه شرعيّا إلاّ على تقدير القول بالاصول المثبتة ، وهي منفيّة كما قرّر في محلّه (١).

ومن هنا ظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين استصحاب عدم فعل الظهر وبقاء وجوبه على من شكّ في فعله ؛ فإنّ الاستصحاب بنفسه مقتض هناك لوجوب الإتيان بالظهر الواجب في الشرع على الوجه الموظّف ، من قصد الوجوب والقربة وغيرهما.

ثمّ إنّ بقيّة (٢) الكلام في ما يتعلّق بفروع هذه المسألة تأتي في الشبهة الموضوعيّة (٣) إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) انظر مبحث الاستصحاب ٣ : ٢٣٣.

(٢) «بقيّة» من (ظ).

(٣) انظر الصفحة ٢٩٩.

المسألة الثانية

ما إذا اشتبه الواجب في الشريعة بغيره (١) من جهة إجمال النصّ

اشتباه الواجب بغيره من جهة إجمال النصّ

بأنّ يتعلّق التكليف الوجوبيّ بأمر مجمل ، كقوله : «ائتني بعين» ، وقوله تعالى : ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾(٢) ، بناء على تردّد الصلاة الوسطى بين صلاة الجمعة كما في بعض الروايات (٣) ، وغيرها كما في بعض آخر (٤).

مختار المصنّف في المسألة

والظاهر : أنّ الخلاف هنا بعينه الخلاف في المسألة الاولى ، والمختار فيها هو المختار هناك ، بل هنا أولى ؛ لأنّ الخطاب هنا تفصيلا متوجّه إلى المكلّفين ، فتأمّل.

وخروج الجاهل لا دليل عليه ؛ لعدم قبح تكليف الجاهل بالمراد من المأمور به إذا كان قادرا على استعلامه من دليل منفصل ، فمجرّد

__________________

(١) في (ص): «بغير الحرام».

(٢) البقرة : ٢٣٨.

(٣) الوسائل ٣ : ١٥ ، الباب ٥ من أبواب أعداد الفرائض ، الحديث ٤.

(٤) انظر الوسائل ٣ : ١٤ ، الباب ٥ من أبواب أعداد الفرائض ، الحديث ١ ـ ٦ ، والباب ٢ منها ، الحديث الأوّل.

الجهل لا يقبّح توجيه (١) الخطاب.

ودعوى : قبح توجيهه إلى العاجز عن استعلامه تفصيلا القادر على الاحتياط فيه بإتيان المحتملات ، أيضا ممنوعة ؛ لعدم القبح فيه أصلا.

وما تقدّم من البعض ـ من منع التكليف بالمجمل ؛ لاتّفاق العدليّة على استحالة تأخير البيان ـ قد عرفت منع قبحه أوّلا ، وكون الكلام فيما عرض له الإجمال ثانيا (٢).

المخالف في المسألة

كلام المحقّق الخوانساري في المسألة

ثمّ إنّ المخالف في المسألة ممّن عثرنا عليه ، هو الفاضل القمّي قدس‌سره (٣) والمحقّق الخوانساري (٤) في ظاهر بعض كلماته ، لكنّه قدس‌سره وافق المختار في ظاهر بعضها الآخر ، قال في مسألة التوضّؤ بالماء المشتبه بالنجس ـ بعد كلام له في منع التكليف في العبادات إلاّ بما ثبت من أجزائها وشرائطها ـ ما لفظه :

نعم ، لو حصل يقين بالتكليف بأمر ولم يظهر معنى ذلك الأمر ، بل يكون متردّدا بين امور ، فلا يبعد القول بوجوب تلك الامور جميعا حتّى يحصل اليقين بالبراءة (٥) ، انتهى.

عدم الظهور الكلام المذكور في موافقة المختار

ولكنّ التأمّل في كلامه يعطي عدم ظهور كلامه في الموافقة ؛ لأنّ

__________________

(١) في (ر) و (ص): «توجّه».

(٢) راجع الصفحة ٢٨٤ ـ ٢٨٨.

(٣) انظر القوانين ٢ : ٣٧.

(٤) انظر مشارق الشموس : ٧٧.

(٥) مشارق الشموس : ٢٨٢.