درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۱۸: احتیاط ۴۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

قبح المؤاخذة إذا عجز العبد عن تحصيل العلم بجزء

وأمّا أوامر الموالي الصادرة بقصد الإطاعة ، فنلتزم (١) فيها بقبح المؤاخذة إذا عجز العبد عن تحصيل العلم بجزء فاطّلع عليه المولى وقدر على رفع جهله ولو على بعض الوجوه الغير المتعارفة إلاّ أنّه اكتفى بالبيان المتعارف فاختفى على العبد لبعض العوارض.

نعم ، قد يأمر المولى بمركّب يعلم أنّ المقصود منه تحصيل عنوان يشكّ في حصوله إذا أتى بذلك المركّب بدون ذلك الجزء المشكوك ، كما إذا أمر بمعجون وعلم أنّ المقصود منه إسهال الصفراء ، بحيث كان هو المأمور به في الحقيقة أو علم أنّه الغرض من المأمور به ، فإنّ تحصيل العلم بإتيان المأمور به لازم ، كما سيجيء في المسألة الرابعة (٢).

فإن قلت : إنّ الأوامر الشرعيّة كلّها من هذا القبيل ؛ لابتنائها على مصالح في المأمور به ، فالمصلحة فيها إمّا من قبيل العنوان في المأمور به أو من قبيل الغرض.

وبتقرير آخر : المشهور بين العدليّة أنّ الواجبات الشرعيّة إنّما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقليّة ، فاللطف إمّا هو المأمور به حقيقة أو غرض للآمر ، فيجب تحصيل العلم بحصول اللطف ، ولا يحصل إلاّ بإتيان كلّ ما شكّ في مدخليّته.

عدم ابتناء مسألة البراءة والاحتياط على مسألة اللطف

قلت : أوّلا : مسألة البراءة والاحتياط غير مبنيّة (٣) على كون كلّ واجب فيه مصلحة وهو لطف في غيره ، فنحن نتكلّم فيها على مذهب

__________________

(١) كذا في (ت) و (ه) ، وفي (ر) و (ص): «فيلتزم».

(٢) انظر الصفحة ٣٥٢.

(٣) في (ت) و (ص): «غير مبتنية».

الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح (١) ، أو (٢) مذهب بعض العدليّة المكتفين بوجود المصلحة في الأمر وإن لم يكن في المأمور به (٣).

اللطف إنّما هو في الإتيان على وجه الامتثال

وثانيا : إنّ نفس الفعل من حيث هو ، ليس لطفا ؛ ولذا لو اتي به لا على وجه الامتثال لم يصحّ ولم يترتّب عليه لطف ولا أثر آخر من آثار العبادة الصحيحة ، بل اللطف إنّما هو في الإتيان به على وجه الامتثال ، وحينئذ : فيحتمل أن يكون اللطف منحصرا في امتثاله التفصيلي مع معرفة وجه الفعل ليوقع الفعل على وجهه ـ فإنّ من صرّح من العدليّة (٤) بكون العبادات السمعيّة إنّما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقليّة ، قد صرّح بوجوب إيقاع الواجب على وجهه ووجوب اقترانه به ـ وهذا متعذّر فيما نحن فيه ؛ لأنّ الآتي بالأكثر لا يعلم أنّه الواجب أو الأقلّ المتحقّق في ضمنه ؛ ولذا صرّح بعضهم كالعلاّمة رحمه‌الله (٥) ويظهر من آخر منهم (٦) : وجوب تميّز الأجزاء الواجبة من المستحبّات ليوقع كلا على وجهه.

__________________

(١) في (ت) و (ه) زيادة : «رأسا».

(٢) في (ر) و (ص) زيادة : «على».

(٣) انظر الفصول : ٢٣٧ ـ ٢٣٨.

(٤) كالعلاّمة قدس‌سره ، انظر كشف المراد : ٣٤٨ (المسألة الثانية في وجوب البعثة) ، و ٤٠٨ (المسألة الخامسة في الثواب والعقاب) ، وكذا المحقّق الثاني في جامع المقاصد ١ : ٢٠١ ـ ٢٠٢.

(٥) قواعد الأحكام ١ : ٢٦٩.

(٦) كالمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٢ : ٢٢١ ، وانظر مفتاح الكرامة ٢ : ٣٢٤ ـ ٣٢٥.

وبالجملة : فحصول اللطف بالفعل المأتيّ به من الجاهل فيما نحن فيه غير معلوم (١) ، بل ظاهرهم عدمه ، فلم يبق عليه إلاّ التخلّص من تبعة مخالفة الأمر الموجّه (٢) إليه ؛ فإنّ هذا واجب عقليّ في مقام الإطاعة والمعصية ، ولا دخل له بمسألة اللطف ، بل هو جار على فرض عدم اللطف وعدم المصلحة في المأمور به رأسا ، وهذا التخلّص يحصل بالإتيان بما يعلم أنّ مع تركه يستحقّ العقاب والمؤاخذة فيجب الإتيان ، وأمّا الزائد فيقبح المؤاخذة عليه مع عدم البيان.

فإنّ قلت : إنّ ما ذكر في وجوب الاحتياط في المتباينين بعينه موجود هنا ، وهو أنّ المقتضي ـ وهو تعلّق الوجوب الواقعي بالأمر الواقعيّ المردّد بين الأقلّ والأكثر ـ موجود ، والجهل التفصيليّ به لا يصلح مانعا لا عن المأمور به ولا عن توجّه الأمر ، كما تقدّم في المتباينين حرفا بحرف (٣).

الجهل مانع عقلي عن توجّه التكليف بالجزء المشكوك

قلت : نختار هنا أنّ الجهل مانع عقليّ عن توجّه التكليف بالمجهول إلى المكلّف ؛ لحكم العقل بقبح المؤاخذة على ترك الأكثر المسبّب عن ترك الجزء المشكوك من دون بيان ، ولا يعارض بقبح المؤاخذة على ترك الأقلّ من حيث هو من دون بيان ؛ إذ يكفي في البيان المسوّغ للمؤاخذة عليه العلم التفصيليّ بأنّه مطلوب للشارع بالاستقلال أو في ضمن الأكثر ، ومع هذا العلم لا يقبح المؤاخذة.

__________________

(١) في (ت) و (ه) زيادة : «وإن احرز الواقع».

(٢) في (ظ) و (ه): «المتوجّه».

(٣) راجع الصفحة ٢٨٠.