درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۲۵: احتیاط ۵۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

أقسام الشكّ في التكليف (١).

حكومة أخبار البراءة على استصحاب الاشتغال أيضا

وممّا ذكرنا يظهر : حكومة هذه الأخبار على استصحاب الاشتغال على تقدير القول بالأصل المثبت أيضا كما أشرنا إليه سابقا (٢) ؛ لأنّه إذا أخبر الشارع بعدم المؤاخذة على ترك الأكثر الذي حجب العلم بوجوبه ، كان المستصحب ـ وهو الاشتغال المعلوم سابقا ـ غير متيقّن إلاّ بالنسبة إلى الأقلّ ، وقد ارتفع بإتيانه ، واحتمال بقاء الاشتغال حينئذ من جهة (٣) الأكثر منفيّ (٤) بحكم هذه الأخبار.

وبالجملة : فما ذكره ، من حكومة أدلّة الاشتغال على هذه الأخبار ضعيف جدّا ؛ نظرا إلى ما تقدّم (٥).

استدلال صاحب الفصول بأخبار البراءة على نفي الحكم الوضعي

وأضعف من ذلك : أنّه رحمه‌الله عدل ـ من أجل هذه الحكومة التي زعمها لأدلّة الاحتياط على هذه الأخبار ـ عن الاستدلال بها لمذهب المشهور من حيث نفي الحكم التكليفيّ ، إلى التمسّك بها في نفي الحكم الوضعيّ ، أعني جزئيّة الشيء المشكوك أو شرطيّته ، وزعم أنّ ماهيّة المأمور به تبيّن (٦) ظاهرا كونها الأقلّ بضميمة نفي جزئيّة المشكوك ، ويحكم بذلك على أصالة الاشتغال.

__________________

(١) راجع الصفحة ٥٠.

(٢) راجع الصفحة ٣٢٦.

(٣) في (ص) زيادة : «كون الواجب هو»

(٤) في (ظ) بدل «منفيّ» : «ملقى».

(٥) راجع الصفحة ٣٢٥ ـ ٣٢٦.

(٦) في (ظ): «يتبيّن».

قال في توضيح ذلك :

كلام صاحب الفصول

إنّ مقتضى هذه الروايات : أنّ ماهيّات العبادات عبارة عن الأجزاء المعلومة بشرائطها المعلومة ، فيتبيّن مورد التكليف ويرتفع منها الإجمال والإبهام.

ثمّ أيّد هذا المعنى ، بل استدلّ عليه ، بفهم العلماء منها ذلك ، حيث قال :

إنّ من الاصول المعروفة عندهم ما يعبّر عنه ب «أصالة العدم» ، و «عدم الدليل دليل العدم» ، ويستعملونه في نفي الحكم التكليفيّ والوضعيّ ، ونحن قد تصفّحنا فلم نجد لهذا الأصل مستندا يمكن التمسّك به غير عموم هذه الأخبار ، فتعيّن تعميمها للحكم الوضعيّ ولو بمساعدة أفهامهم ، فيتناول الجزئيّة المبحوث عنها في المقام (١) ، انتهى.

المناقشة فيما أفاده صاحب الفصول

أقول : أمّا ما ادّعاه من عموم تلك الأخبار لنفي غير الحكم الالزاميّ التكليفيّ ، فلولا عدوله عنه في باب البراءة والاحتياط من الأدلّة العقليّة (٢) ، لذكرنا بعض ما فيه : من منع العموم أوّلا ، ومنع كون الجزئيّة أمرا مجعولا شرعيّا غير الحكم التكليفيّ ـ وهو إيجاب المركّب المشتمل على ذلك الجزء ـ ثانيا.

وأمّا ما استشهد به : من فهم الأصحاب وما ظهر له بالتصفّح ، ففيه :

أنّ (٣) ما يظهر للمتصفّح في هذا المقام : أنّ العلماء لم يستندوا في

__________________

(١) الفصول : ٥١.

(٢) انظر الفصول : ٣٦٣.

(٣) في (ص) زيادة : «أوّل».

الأصلين المذكورين إلى هذه الأخبار.

أمّا «أصل العدم» ، فهو الجاري عندهم في غير الأحكام الشرعيّة أيضا ، من الأحكام اللفظيّة كأصالة عدم القرينة وغيرها (١) ، فكيف يستند فيه بالأخبار المتقدّمة؟

وأمّا «عدم الدليل دليل العدم» ، فالمستند فيه عندهم شيء آخر ، ذكره كلّ من تعرّض لهذه القاعدة ، كالشيخ (٢) وابن زهرة (٣) والفاضلين (٤) والشهيد (٥) وغيرهم (٦) ، ولا اختصاص له بالحكم التكليفي والوضعي (٧).

وبالجملة : فلم نعثر على من يستدلّ بهذه الأخبار في هذين الأصلين :

أمّا رواية الحجب ونظائرها فظاهر.

وأمّا النبويّ المتضمّن لرفع الخطأ والنسيان وما لا يعلمون ، فأصحابنا بين من يدّعي ظهوره في رفع المؤاخذة ولا ينفي به غير الحكم التكليفيّ ـ كأخواته من رواية الحجب وغيرها ـ وهو المحكيّ عن

__________________

(١) لم ترد عبارة «أيضا من ـ إلى ـ وغيرها» في (ظ).

(٢) العدّة ٢ : ٧٥٣.

(٣) الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٨٦.

(٤) انظر المعتبر ١ : ٣٢ ، ونهاية الوصول (مخطوط) : ٤٢٤.

(٥) الذكرى ١ : ٥٢ ـ ٥٣.

(٦) كالفاضل التوني في الوافية : ١٩٩ ، وصاحب الحدائق في الحدائق ١ : ٤٥ ، وانظر القوانين ٢ : ١٣ ، ومناهج الأحكام : ٢٠٧.

(٧) لم ترد «ولا اختصاص ـ إلى ـ الوضعي» في (ظ).