درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۳۰: احتیاط ۵۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

تقييده ؛ لأنّه فرع صدق المطلق على الخالي من ذلك المشكوك ، فحكم هذا المشكوك عند القائل بالأعمّ حكم جميع الأجزاء عند القائل بالصحيح.

وأمّا إن علم أنّه ليس من مقوّمات حقيقة الصلاة ، بل هو على تقدير اعتباره وكونه جزءا في الواقع ليس إلاّ من الأجزاء التي يقيّد معنى اللفظ بها ؛ لكون اللفظ موضوعا للأعمّ من واجده وفاقده ، فحينئذ فالشكّ في اعتباره وجزئيّته راجع إلى الشكّ في تقييد إطلاق الصلاة في «أقيموا الصلاة» بهذا الشيء ، بأن يراد منه مثلا : أقيموا الصلاة المشتملة على جلسة الاستراحة.

ومن المعلوم : أنّ الشكّ في التقييد يرجع فيه إلى أصالة الإطلاق وعدم التقييد ، فيحكم بأنّ مطلوب الآمر غير مقيّد بوجود هذا المشكوك ، وبأنّ الامتثال يحصل بدونه ، وأنّ هذا المشكوك غير معتبر في الامتثال ، وهذا معنى نفي جزئيّته بمقتضى الإطلاق.

نعم ، هنا توهّم نظير ما ذكرناه سابقا من الخلط بين المفهوم والمصداق (١) ، وهو توهّم : أنّه إذا قام الإجماع بل الضرورة على أنّ الشارع لا يأمر بالفاسدة ؛ لأنّ الفاسد ما خالف المأمور به ، فكيف يكون مأمورا به؟ فقد ثبت تقييد الصلاة دفعة واحدة بكونها صحيحة جامعة لجميع الأجزاء ، فكلّما شكّ في جزئيّة شيء كان راجعا إلى الشكّ في تحقّق العنوان المقيّد المأمور به ، فيجب الاحتياط ليقطع بتحقّق ذلك العنوان على تقيّده (٢) ؛ لأنّه كما يجب القطع بحصول نفس العنوان وهو

__________________

(١) راجع الصفحة ٣٤١.

(٢) كذا في (ظ) ، وفي نسخة بدل (ص): «المقيّد» ، وفي غيرهما : «تقييده».

الصلاة ، فلا بدّ من إتيان كلّ ما يحتمل دخله في تحقّقها كما أشرنا إليه (١) ، كذلك يجب القطع بتحصيل القيد (٢) المعلوم الذي قيّد به العنوان ، كما لو قال : «أعتق مملوكا مؤمنا» فإنّه يجب القطع بحصول الإيمان ، كالقطع (٣) بكونه مملوكا.

ودفعه يظهر ممّا ذكرناه : من أنّ الصلاة لم تقيّد بمفهوم «الصحيحة» وهو الجامع لجميع الأجزاء ، وإنّما قيّدت بما علم من الأدلّة الخارجيّة اعتباره ، فالعلم بعدم إرادة «الفاسدة» يراد به العلم بعدم إرادة هذه المصاديق الفاقدة للامور التي دلّ الدليل على تقييد الصلاة بها ، لا أنّ مفهوم «الفاسدة» خرج عن المطلق وبقي مفهوم «الصحيحة» ، فكلّما شكّ في صدق «الصحيحة» و «الفاسدة» وجب الرجوع إلى الاحتياط لإحراز مفهوم «الصحيحة».

وهذه المغالطة جارية في جميع المطلقات ، بأن يقال : إنّ المراد بالمأمور به في قوله : «اعتق رقبة» ليس إلاّ الجامع لشروط الصحّة ؛ لأنّ الفاقد للشرط (٤) غير مراد قطعا ، فكلّما شكّ في شرطيّة شيء كان شكّا في تحقّق العنوان الجامع للشرائط ، فيجب الاحتياط للقطع بإحرازه.

وبالجملة : فاندفاع هذا التوهّم غير خفيّ بأدنى التفات ، فلنرجع إلى المقصود ، ونقول :

__________________

(١) راجع الصفحة ٣٤٣.

(٢) في (ص) و (ه): «المقيّد».

(٣) في (ت) و (ه) بدل «كالقطع» : «كما يجب القطع» ، وفي (ر): «كما يقطع».

(٤) في (ر) و (ص): «للشروط».

عدم كون الثمرة البراءة بناء على الأعمّي

إذا عرفت أنّ ألفاظ العبادات على القول بوضعها للأعمّ كغيرها من المطلقات ، كان لها حكمها ، ومن المعلوم أنّ المطلق ليس يجوز دائما التمسّك (١) بإطلاقه ، بل له شروط ، كأن لا يكون واردا في مقام حكم القضيّة المهملة بحيث لا يكون المقام مقام بيان ؛ ألا ترى : أنّه لو راجع المريض الطبيب فقال له في غير وقت الحاجة : «لا بدّ لك من شرب الدواء أو المسهل» ، فهل يجوز للمريض أن يأخذ بإطلاق الدواء والمسهل؟ وكذا لو قال المولى لعبده : «يجب عليك المسافرة غدا».

وبالجملة : فحيث لا يقبح من المتكلّم ذكر اللفظ المجمل ـ لعدم كونه إلاّ في مقام هذا المقدار من البيان ـ لا يجوز (٢) أن يدفع القيود المحتملة للمطلق بالأصل ؛ لأنّ جريان الأصل لا يثبت الإطلاق وعدم إرادة المقيّد (٣) إلاّ بضميمة : أنّه إذا فرض ـ ولو بحكم الأصل ـ عدم ذكر القيد ، وجب إرادة الأعمّ من المقيّد ؛ وإلاّ قبح التكليف ؛ لعدم البيان ، فإذا فرض العلم بعدم كونه في مقام البيان لم يقبح الإخلال بذكر القيد مع إرادته في الواقع.

والذي يقتضيه التدبّر في جميع المطلقات الواردة في الكتاب في مقام الأمر بالعبادة : كونها في غير مقام بيان كيفيّة العبادة (٤) ؛ فإنّ قوله تعالى : ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾(٥) إنّما هو في مقام بيان تأكيد الأمر بالصلاة

__________________

(١) في غير (ظ) زيادة : «به».

(٢) في (ظ): «فلا يجوز».

(٣) في (ت) ، (ر) و (ص): «القيد».

(٤) كذا في (ت) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرهما بدل «العبادة» : «الصلاة».

(٥) البقرة : ٤٣ ، ٨٣ و ١١٠ وغيرها.

والمحافظة عليها ، نظير قوله : «من ترك الصلاة فهو كذا وكذا» (١) ، و «أنّ صلاة فريضة خير من عشرين أو ألف حجّة» (٢) ، نظير تأكيد الطبيب على المريض في شرب الدواء ، إمّا قبل بيانه له حتّى يكون إشارة إلى ما يفصّله له حين العمل ، وإمّا بعد البيان له حتّى يكون إشارة إلى المعهود المبيّن له في غير هذا الخطاب. والأوامر الواردة بالعبادات فيه ـ كالصلاة والصوم والحجّ ـ كلّها على أحد الوجهين ، والغالب فيها الثاني.

وقد ذكر موانع أخر لسقوط إطلاقات العبادات عن قابليّة التمسّك فيها بأصالة الإطلاق وعدم التقييد ، لكنّها قابلة للدفع أو غير مطّردة في جميع المقامات ، وعمدة الموهن لها ما ذكرناه.

فحينئذ : إذا شكّ في جزئيّة شيء لعبادة ، لم يكن هنا (٣) ما يثبت به عدم الجزئيّة من أصالة عدم التقييد ، بل الحكم هنا هو الحكم على مذهب القائل بالوضع للصحيح في رجوعه إلى وجوب الاحتياط أو إلى أصالة البراءة ، على الخلاف في المسألة.

ما ينبغي أن يقال في ثمرة الخلاف بين الصحيحي والأعمّي

فالذي ينبغي أن يقال في ثمرة الخلاف بين الصحيحي والأعمّي : ىهو لزوم الإجمال على القول بالصحيح ، وحكم المجمل (٤) مبنيّ على الخلاف في وجوب الاحتياط أو جريان أصالة البراءة ، وإمكان البيان والحكم بعدم الجزئيّة ـ لأصالة عدم التقييد ـ على القول بالأعمّ ، فافهم.

__________________

(١) الوسائل ٣ : ٢٩ ، الباب ١١ من أبواب أعداد الفرائض ، الحديث ٥.

(٢) الوسائل ٣ : ٢٧ ، الباب ١٠ من أبواب أعداد الفرائض ، الحديث ٨ و ٩.

(٣) في (ر) و (ص): «هناك».

(٤) في غير (ظ) زيادة : «هو».